رأي ومقالات

شرق السودان: مابين الهويّة السياسيّة.. والإنتماءات القبليّة.. بقلم علـــي جعفـــــر

أخباركم نيوز

شرق السودان: مابين الهويّة السياسيّة.. والإنتماءات القبليّة.. بقلم علـــي جعفـــــر
أخباركم نيوز

ظلت الهويّة السياسيّة بشرق السودان شبه غائبة تطغى عليها الإنتماءات القبليّة عبر الإدارات الأهليّة التي حازت على المشهد السياسي والإجتماعي بشرق السودان.. وتاه إنسان الشرق بمختلف قبائله عن استحقاقاته الدستورية وفقد فرص تمثيله السياسي عبر قُوى سياسيّة مؤهلة قادرة على أن تنهض بمجتمعات الشرق نحو مدنيّة حقيقيّة تعبر بها المجتمعات نحو الحداثة والتطوير..

هذا الخلل التاريخي السياسي بشرق السودان سببه الأساسي هو حزب المؤتمر الوطني.. الذي ضمّ قيادات الإدارات الأهليّة بعضويته طيلة فترة حكمه للبلاد.. وبعد أن فقد الحزب السلطة.. توزعت أدواره السياسيّة بصورة شبه قبليّة بين كوادره.. مما زاد الطين بلّة بالممارسة السياسيّة بشرق السودان.

عجزت كذلك الأحزاب العريقة كحزب الأمة والحزب الإتحادي الديمقراطي.. عن مواكبة التغيرات السياسيّة المتقلبة التي شهدتها البلاد بفعل نمط التفكير السياسي العقيم لقياداتها التي جعلت من هذه الأحزاب مشلولة عن التطوير والحداثة وعن مواكبة التغيرات المجتمعية.. مما ساهم كذلك في أن تكون القبيلة بشرق السودان هي الملاذ والملجأ بعد فشل القوى السياسيّة في استقطاب إنسان الشرق ونقله لمدنيّة حقيقيّة..

حتى حزب مؤتمر البجا، هو الآخر تعرض لتشظي وإنقسامات متتالية أضاعت قضاياه المطلبيّة.. وكل ذلك بسبب تنافس قياداته.. وبسبب الإختراقات السياسيّة من كوادر المؤتمر الوطني والكيزان.. ومن كوادر قوى الحرية والتغيير ومن الحركات اليساريّة.. التي ظلت تختبئ خلف دعاوي قبليّة ومصلحيّة مختلفة لتقود بها إنسان شرق السودان نحو مبتغاها وغاياتها السلطوية.. مما تسبب في تشويه تاريخ هذا الحزب العريق.. الذي يعتبر قائد الفيدراليّة وأول من دعا إليها.. وهو يضم مختلف قبائل شرق السودان بلا تمييز.. وحقيقة شكّلت بدايات هذا الحزب نهضة مدنيّة حقيقية لشرق السودان.. ولكن الصراعات والإختراقات التي حدثت به أضاعت فرصته في النجاح.. وعصفت به في دائرة الفشل السياسي كغيره من الأحزاب السودانيّة.

والموضة السياسيّة.. الراهنة اليوم بشرق السودان.. والتي تعتبر امتداد لتضليل الوعي السياسي لإنسان شرق السودان.. هو الدعوة لفيدرالية قبليّة.. تميّز وتصنّف قبائل الشرق وتوزع صكوك المواطنة فيما بينها.. وتختبئ خلف هذه الدعاوي كوادر من الحرية والتغيير ومن المنتفعين من المؤتمر الوطني وكذلك كوادر هجين جمعت مابين الكوزنة والقحتاوية.. وكل هدفها أن تصطاد مصالحها الإرتزاقيّة في السلطة والثروة ونهب موارد الشرق.. حيث ظلت هذه الكوادر تبث المفاهيم الخاطئة حول الفيدرالية وتصورها وكأنها تمييز قبلي.. لتنفر منها المجتمعات.. باعتبارها مطلب يسعى إليه الجميع لتحقيق مفاهيم الفيدرالية الحقيقية.. وليس فيدرالية المحاصصات والتمييز القبلي.

انعدام ساحة شرق السودان من التمثيل السياسي المدني.. جعل الصوت هو صوت القبائل وصوت الإدارات الأهليّة.. وغيّب مفاهيم المدنيّة والعدالة الإجتماعيّة.. والتمثيل السياسي المدني والتمثيل الإداري عبر المحليات الإداريّة.. فصارت لغة الخطاب السياسي والمطلبي بشرق السودان.. لغة قبليّة بحتة.. أنتجت محاصصات وتشوهات بالخدمة المدنيّة ونحرت عدالة التعيينات والتنقلات بها.. وأضاعت التنمية بمؤسسات الدولة وبواقع الخدمات للمواطنين..

حتى ولاة الولايات الشرقيّة.. فشلوا في أدوارهم السياسيّة المنوط بهم تحقيقها.. ولم ينجحوا حتي في تنفيذ سياسات إستراتيجية تساهم في رفع الوعي السياسي المدني.. وتقيم العدالة المجتمعيّة.. بل أنّ بعضهم في سبيل حفاظهم على مواقعهم التنفيذيّة نزعوا عن أنفسهم جلباب الوطنيّة.. ولم يقفوا موقف الحياد والقانون في سياساتهم المختلفة بالولاية.

خلاصة الأمر سيظل شرق السودان يعاني.. من غياب الأدوار السياسيّة الفعّالة التي يُمكن أن تسهم في رفع الوعي المجتمعي المدني.. ويُمكن أن تساهم في ترابط المجتمعات.. وهزم لغة الإنتماءات السياسيّة القبليّة.. لتتعافى المجتمعات الشرقيّة.. وتنهض بمدنيّة حقيقيّة..

يجب أن يرتفع الوعي السياسي لولاة الولايات الشرقيّة.. ويبقوا على مسافة واحدة من كل القوى السياسيّة الوطنيّة.. ويساهموا ويدعموا تطويرها وتفعيل أدوارها.. ويضعوا لها ثوابت ومرتكزات وطنيّة ثابتة.. يجرموا فيها أي عمل أو تنافس سياسي غير وطني وبلا شرف ممارسة أو باعث للإختراقات القبليّة الحزبية.. وعليهم أن يعملوا على تصحيح المفاهيم الوطنيّة ورفع الحس الوطني للمواطنين.. ليحققوا عبر ذلك الإستقرار المجتمعي الباعث لتحقيق التنمية المستدامة لإنسان شرق السودان..

خلاف ذلك.. سيظل شرق السودان أبد الدهر يعاني من تضييع قضاياه ومن تضييع سنوات أعمار اجياله.. في انتظار السراب.
الكهرباء والمياه بولاية كسلا: فوضى الإدارة وغياب التنسيق..✍️ علـــي جعفـــــر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى