رأي ومقالات

مسارات : منبر موسكو ورسائل الخرطوم.. كيف تخدم الدبلوماسية الأمنية المصالح الوطنية؟

أخباركم نيوز

مسارات : منبر موسكو ورسائل الخرطوم.. كيف تخدم الدبلوماسية الأمنية المصالح الوطنية؟
إسماعيل محمود
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، لم تعد الدبلوماسية التقليدية وحدها كافية لحماية مصالح الدول وصون أمنها القومي، بل برزت الدبلوماسية الأمنية كإحدى أهم أدوات الدولة الحديثة في إدارة علاقاتها الخارجية والتعامل مع التحديات الأمنية والسياسية المعقدة. وأصبحت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية تضطلع بأدوار متقدمة تتجاوز جمع المعلومات وتحليلها إلى المساهمة المباشرة في بناء الشراكات الدولية وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي بما يخدم المصالح الوطنية.

ويكتسب هذا المفهوم أهمية خاصة بالنسبة للسودان في ظل ما يواجهه من تحديات أمنية واستراتيجية فرضتها الحرب وتعقيدات البيئة الإقليمية المحيطة. فالأمن الوطني السوداني لم يعد شأناً داخلياً فحسب، وإنما أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بالتفاعلات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يستوجب حضوراً فاعلاً للدولة في مختلف المنابر والمحافل الأمنية الدولية.

وفي هذا السياق تبرز زيارة المدير العام لجهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل إلى روسيا الاتحادية خلال الفترة من 26 إلى 29 مايو 2026 باعتبارها نموذجاً عملياً للدبلوماسية الأمنية السودانية في أداء أدوارها الوطنية. فالزيارة لم تكن مجرد مشاركة بروتوكولية في اجتماع دولي، وإنما مثلت تحركاً استراتيجياً يهدف إلى إيصال رؤية السودان بشأن التحديات التي تواجهه، وتعزيز التواصل مع مراكز التأثير وصنع القرار في القضايا الأمنية الدولية.

لقد أتاحت مشاركة السودان في الاجتماع الدولي لكبار المسؤولين المعنيين بالشؤون الأمنية بموسكو فرصة مهمة لعرض التطورات التي يشهدها السودان أمام ممثلي عشرات الدول والمنظمات الدولية، وشرح طبيعة التحديات الأمنية الناجمة عن الحرب وتداعياتها على الاستقرار الإقليمي. كما وفرت منصة مناسبة لتأكيد موقف السودان من التدخلات الخارجية التي تسهم في إطالة أمد الحرب التي فرضتها المليشيا المتمردة وأعوانها على السودان… وتهدد الأمن والسلم في المنطقة.

وتتجلى أهمية الدبلوماسية الأمنية في مثل هذه المشاركات من خلال قدرتها على نقل الرواية الوطنية مباشرة إلى المجتمع الدولي، بعيداً عن التشويه أو الانتقائية التي قد تصاحب بعض التغطيات أو المواقف السياسية المعادية للسودان فالدول اليوم لا تدافع عن مصالحها بالسلاح وحده، وإنما تدافع عنها أيضاً بالمعلومات الدقيقة، والاتصالات الفاعلة، والقدرة على بناء الفهم المشترك مع الشركاء الدوليين الحقيقيين.

كما عكست اللقاءات الثنائية التي أجراها الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل مع المسؤولين الروس أهمية البعد الأمني في العلاقات الدولية المعاصرة، حيث أصبحت قضايا ((الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهديدات العابرة للحدود)) من الملفات الرئيسية التي تحدد طبيعة العلاقات بين الدول. ومن هذا المنطلق تسهم مثل هذه اللقاءات في تعزيز التعاون وتبادل الرؤى والخبرات بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز الاستقرار الإقليمي.

وتبرز قيمة جهاز المخابرات العامة في هذا المجال من خلال دوره كأحد مؤسسات الدولة القادرة على الجمع بين الخبرة الأمنية والرؤية الاستراتيجية، بما يمكنه من الإسهام في دعم القرار الوطني وتوفير المعلومات والتقديرات التي تساعد على بناء مواقف أكثر فاعلية في التعامل مع القضايا الإقليمية والدولية. كما أن انفتاح الجهاز على دوائر التعاون الأمني الدولي يعكس إدراكاً متقدماً لطبيعة التهديدات الحديثة التي لم تعد تعترف بالحدود الجغرافية أو السيادة التقليدية للدول.

إن زيارة موسكو وما حملته من رسائل سياسية وأمنية تؤكد أن السودان يعمل على توظيف مختلف أدواته الوطنية للدفاع عن مصالحه وتعزيز حضوره الدولي، وأن الدبلوماسية الأمنية أصبحت جزءاً أصيلاً من منظومة الأمن القومي السوداني. فكل منصة دولية يشارك فيها السودان، وكل لقاء يعقده ممثلوه مع الشركاء الإقليميين والدوليين، يمثل فرصة جديدة لتوضيح المواقف الوطنية وبناء الشراكات وتحصين المصالح الاستراتيجية للدولة.

وفي عالم تتشابك فيه المصالح وتتداخل فيه التهديدات، تظل الدبلوماسية الأمنية إحدى الركائز الأساسية لحماية الأمن الوطني، وتعزيز مكانة السودان الإقليمية والدولية، ودعم جهوده الرامية إلى تحقيق الاستقرار وبناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى