رأي ومقالات

مسارات: ذاكرة السودان.. حرب المليشيا الأكثر خبثاً … بقلم إسماعيل محمود

أخباركم نيوز

مسارات: ذاكرة السودان.. حرب المليشيا الأكثر خبثاً … بقلم إسماعيل محمود
أخباركم نيوز
إقتباس
(إذا أردت أن تُفجع شعباً، فابدأ بتدمير ذاكرته)
ميلان كونديرا
ليست الحروب دائماً معارك على الأرض وحدها.. فثمة حروب أكثر قسوة تُشن على الوعي والذاكرة والوجدان. أخطر الأعداء ليس الذي يهدم جداراً أو يحرق مبنى وإنما الذي يسعى إلى اقتلاع ذاكرة شعب بأكمله، حتى يصبح بلا مرجع، بلا تاريخ، وبلا صورة يعرف بها نفسه وسط الأمم. ولهذا ظل استهداف التراث والوثائق والرموز الحضارية واحداً من أكثر الأساليب استخداماً في الحروب الحديثة، لأن تدمير الذاكرة يعني تدمير المعنى الذي يمنح الشعوب قدرتها على النهوض من جديد.
ما فعلته مليشيا التمرد في السودان تجاوز حدود التخريب والتجريف إلى جرائم منظمة لضرب الذاكرة الوطنية السودانية نفسها،فكل ما تم توثيقه من جرائم المليشيا اثبت ذلك علاوة على تقارير (اليونسكو) والمنظمات الأخرى المعنية بصون التراث تحدثت أكثر من مرة عن تعرض مواقع التراث والآثار السودانية للتدمير والنهب والاستهداف المقصود، وهو أمر لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خسائر جانبية لحرب عابرة.

حين إقتحمت المليشيا المتمردة دار الوثائق القومية، التي تحفظ تاريخ الدولة السودانية ووثائقها الممتدة عبر قرون، فإنها لم تكن تستهدف المبنى لكن استهدافها الخبيث كان (للسردية الوطنية) بأكملها.. فحين تمتد الأيدي إلى أرشيف الإذاعة والتلفزيون في أم درمان، بما يحمله من تسجيلات نادرة لصوت السودان السياسي والثقافي والفني، فإن (الجريمة) هنا لا تُقاس بحجم الخسائر المادية، وإنما بحجم ما يتم تخريبه وتدميره من الذاكرة الجمعية للسودانيين.

الأمر ذاته ينطبق على المتحف القومي السوداني، الذي تعرض للنهب والتخريب، على يد مليشيات حميدتي والتي كانت حريصة على تجريف المواقع المرتبطة بتاريخ النضال الوطني، أيضا وعلى المكتبات الجامعية ومراكز البحوث التي ضاعت فيها مخطوطات وكتب وأبحاث اشتغل عليها علماء وباحثون لعقود طويلة. تلك ليست مجرد مقتنيات صامتة، وإنما شواهد حية على حضارة تراكمت عبر آلاف السنين، من الممالك الكوشية والنوبية والمسيحية والإسلامية إلى التاريخ الحديث للدولة السودانية. ولذلك فإن استهدافها يحمل معنى واحداً: محاولة قطع الصلة بين السوداني وأرضه وتاريخه وهويته.

يمكن إعادة بناء المدن،والقرى والمصانع ويمكن تعبيد الشوارع ورصفها من جديد، ويمكن للبيوت المهدمة أن تعود أفضل مما كانت.. وحتى الجراح الكبرى قد تندمل مع الزمن.

لكن تدمير الذاكرة أمر مختلف تماماً، لأن ما يُفقد من الأرشيف والتراث والوثائق والآثار لا يمكن تعويضه بسهولة. بعض الأشياء إذا ضاعت، ضاع معها جزء من روح الوطن نفسه. ولهذا فإن معركة ما بعد الحرب لا ينبغي أن تقتصر على الإعمار المادي وحده، بل يجب أن تمتد إلى حماية الذاكرة السودانية بكل أشكالها المادية والسمعية والبصرية، وصون ما تبقى من الأرشيف الوطني، وترميم المؤسسات الثقافية، وحفظ التراث للأجيال القادمة حتى تعرف أن لها تاريخاً عريقاً وإرثاً تليداً يستحق الفخر والحماية.
إن الأمم التي تنسى تاريخها تصبح أكثر هشاشة أمام التزييف والانقسام، أما الأمم التي تحرس ذاكرتها جيداً فإنها تظل قادرة على النهوض مهما اشتدت عليها الكوارث. والسودان اليوم، وهو يواجه واحدة من أعقد لحظاته، يحتاج إلى وعي جماعي يدرك أن حماية الذاكرة القومية واجب وطني مقدس لا يقل أهمية عن حماية الأرض نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى