
السودان.. بلدٌ فوق جبال الذهب وتحت أنقاض الجنيه
بقلم: أحمد الدرديري
أخباركم نيوز
السودان ليس بلدًا فقيرًا بالمعنى الذي توحي به صور الجوع والحرب وانهيار العملة.
السؤال الأكثر إزعاجًا هو: كيف لبلدٍ يملك الذهب والمعادن والأرض والمياه والثروة الحيوانية والزراعية، أن يصل إلى هذه الدرجة من الانهيار؟
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
في السودان، لا نتحدث عن ذهبٍ في كتب التاريخ فقط. الذهب اليوم أحد أهم صادرات البلاد المعدنية، وتشير بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن إنتاج الذهب المحتوى في الخام بلغ تقديريًا نحو 61 طنًا في عام 2024، وكان الذهب أهم سلعة معدنية تصديرية للسودان من حيث القيمة. كما ينتج السودان الكروم وغيرها من المعادن.
فأين تذهب هذه الثروة؟
هذا هو السؤال الذي يجب ألا نخاف من طرحه.
بلدٌ لديه جبالٌ تحمل الذهب، وشعبٌ يطحنه الغلاء.
هذه المفارقة وحدها تكفي لفتح أكبر نقاش اقتصادي وسياسي في السودان.
الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تدمر المدن والمصانع والبنية التحتية فقط، بل ضربت دورة الإنتاج والتجارة والاستثمار، وأدخلت الاقتصاد في واحدة من أعنف أزماته. ويقدّر البنك الدولي أن الناتج المحلي الحقيقي انكمش بنحو 29.4% في 2023 و14% أخرى في 2024.
وفي الوقت نفسه، فقد الجنيه السوداني جزءًا هائلًا من قيمته. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الجنيه شهد تدهورًا شديدًا في الأسواق الرسمية والموازية منذ بداية الحرب، بالتزامن مع ارتفاعات حادة في الأسعار.
وهنا المفارقة التي تستحق أن تُكتب بأحرف كبيرة:
نحن نملك الذهب، لكن المواطن لا يملك قوت يومه.
نملك المعادن، لكن البنية الصناعية التي تستطيع تحويل هذه الثروات إلى قيمة مضافة ما زالت محدودة.
نملك الأراضي الزراعية، لكن الحرب والنزوح ونقص المدخلات عطّلت الإنتاج.
نملك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، لكن الصراع جعل السودان ساحة مفتوحة للأزمات.
إذن المشكلة ليست فقط في وجود الثروة.
المشكلة في إدارة الثروة.
من يملك القرار في التعدين؟
من يراقب حركة الذهب؟
كم يدخل إلى خزينة الدولة؟
وكم يخرج عبر قنوات لا يستفيد منها المواطن السوداني بالشكل الذي يستحقه؟
هذه ليست اتهامات لأفراد بعينهم، بل أسئلة دولة يجب أن تجيب عنها مؤسسات الدولة بشفافية كاملة.
والأخطر أن الذهب في زمن الحرب يصبح أكثر من مجرد معدن ثمين؛ يمكن أن يتحول إلى مصدر لتمويل الاقتصاد غير الرسمي والصراع، ولذلك فإن شفافية تجارة الذهب وطرق إنتاجه وتصديره ليست قضية اقتصادية فقط، وإنما قضية تتعلق ببناء الدولة نفسها.
السودان لا يحتاج إلى اكتشاف الذهب من جديد؛ السودان يحتاج إلى اكتشاف طريقة إدارة الذهب.
تخيلوا لو تحولت الثروة المعدنية إلى مصانع، ولو أصبح التعدين الحديث مصدرًا لآلاف الوظائف، ولو دُفعت عوائد التعدين إلى التعليم والصحة والطرق والكهرباء والمياه، ولو أصبح الجنيه مدعومًا بإنتاج حقيقي واقتصاد متنوع بدلًا من أن يكون المواطن هو من يدفع فاتورة الانهيار.
عندها لن تكون جبال الذهب مجرد جبال.
ستصبح مدرسة، ومستشفى، وطريقًا، ومصنعًا، وفرصة عمل.
لكن الطريق إلى ذلك يبدأ من سؤال سياسي واقتصادي واضح:
هل السودان يريد أن يكون بلدًا يصدر مواده الخام، أم بلدًا يصنع ثروته بنفسه؟
السودان ليس فقيرًا في الموارد.
السودان فقير في الاستقرار، وفي المؤسسات القادرة على حماية الموارد وتحويلها إلى تنمية عادلة ومستدامة.
ولهذا فإن المعركة القادمة، بعد توقف صوت البنادق، يجب ألا تكون فقط معركة إعادة إعمار المباني.
بل معركة إعادة بناء الاقتصاد.
ومعركة إعادة بناء الثقة.
ومعركة إعادة بناء الجنيه.
ومعركة جعل الذهب السوداني ثروة للسودانيين، لا مجرد رقم في تقارير الصادرات.
فالسؤال الذي سيظل يطاردنا هو:
كيف يمكن لبلدٍ يقف فوق جبال الذهب أن ينام شعبه وهو يبحث عن الخبز؟
ربما تكون الإجابة هي بداية الطريق إلى السودان الذي يستحقه السودانيون.
أحمد الدرديري






