رأي ومقالاتمنوعات

زولة رأي : بقلم ماجدة الحسين… أماكن احببناها لأنهم كانوا فيها نحن لا نحب الأماكن… نحن نحب من جعلها جميلة

أخباركم نيوز

زولة رأي : بقلم ماجدة الحسين… أماكن احببناها لأنهم كانوا فيها
نحن لا نحب الأماكن… نحن نحب من جعلها جميلة
أخباركم نيوز
هل سبق أن مررتَ بمكانٍ عادي جدًا في نظر الآخرين، لكنه بالنسبة لك كان عالمًا كاملًا؟
شارعٌ كلما مررت به عادت إليك ضحكة.
مقهى لا تزال إحدى زواياه تحفظ حديثًا لم تنسه.
مدينةٌ بأكملها تشعر تجاهها بالحنين، رغم أنك تعرف أن سر حنينك الحقيقي لم يكن في شوارعها ولا مبانيها… بل في إنسانٍ كان يعيش فيها.
هنا تكمن واحدة من أغرب علاقات الإنسان بالذاكرة: نحن لا نرتبط بالأماكن فقط، بل نرتبط بالمشاعر التي عشناها فيها.
قد نحب مدينة لأن فيها شخصًا أحببناه، فنرى شوارعها أجمل، وليلها أكثر دفئًا، وحتى تفاصيلها الصغيرة تصبح مألوفة لقلوبنا.
وقد نكره المكان نفسه حين يغادره ذلك الشخص.
ليس لأن المكان تغير، وإنما لأن المعنى الذي كنا نراه فيه تغيّر.
فالإنسان لا يخزن الذكريات في عقله وحده؛ أحيانًا يخزنها في الأماكن.
ولهذا يمكن لرائحة شارع، أو مقعد، أو أغنية سمعناها في مكانٍ ما، أن تعيد إلينا شعورًا كاملًا ظننا أننا تجاوزناه.
المكان يصبح صندوقًا للذاكرة.
نمر به فنستعيد وجوهًا، أصواتًا، ضحكات، مواعيد، أحلامًا، وحتى نسخًا قديمة من أنفسنا.
وكم من مكانٍ لم نكن نحبه، حتى جاء إليه شخصٌ ما وجعله جميلًا.
وكم من مكانٍ كان جميلًا، ثم أصبح ثقيلًا على القلب لأن شخصًا ما ترك فيه وجعًا لا يُنسى.
لذلك، عندما يقول شخص:
«أنا أكره هذا المكان»
فلا تتعجل الحكم عليه.
ربما هو لا يكره المكان…
ربما يكره الذكرى التي يستيقظ بها كلما رآه.
وعندما يقول آخر:
«أشتاق إلى تلك المدينة»
ربما لا يشتاق إلى المدينة نفسها.
ربما يشتاق إلى شخصٍ جعل تلك المدينة يومًا وطنًا لقلبه.
نحن في كثير من الأحيان لا نشتاق إلى الجغرافيا…
نشتاق إلى الأشخاص الذين أعطوا الجغرافيا معناها.
ولهذا قد تسافر بعيدًا، وتزور أجمل المدن، وترى ما لم تره من قبل، ثم تكتشف أن قلبك ما زال متعلقًا بمكانٍ بسيط لا يلفت انتباه أحد.
لأن الجمال بالنسبة للقلب ليس دائمًا في تفاصيل المكان…
الجمال في الحكاية التي حدثت فيه.
وربما لهذا أيضًا، حين نُشفى من بعض العلاقات، نحتاج أحيانًا إلى العودة إلى الأماكن التي كنا نهرب منها.
نعود إليها فنكتشف أن المكان لم يعد يؤلمنا.
نكتشف أننا كنا نربط المكان بشخص، ثم جاء الزمن وفكّ هذا الارتباط.
فننظر إلى الشارع ذاته، والمقهى ذاته، والمدينة ذاتها… ولا نشعر بالوجع نفسه.
وهنا نفهم شيئًا مهمًا:
ليست الأماكن هي التي تملك ذكرياتنا إلى الأبد… نحن من نقرر، مع الوقت، أي الذكريات تستحق أن تبقى وأيها يجب أن نتركها ترحل.
فلا تجعل مكانًا يسرق منك جمال العالم كله بسبب شخصٍ واحد.
ولا تجعل شارعًا يؤلمك إلى الأبد لأن حكايةً جميلة انتهت فيه.
خذ من الأماكن أجمل ما أعطتك، واترك فيها ما يؤلمك.
فالأماكن لا ذنب لها في الذين رحلوا…
ولا ذنب للبحر في الذين بكوا أمامه، ولا ذنب للشارع في الذين افترقوا عليه، ولا ذنب للمدينة في الذين غابوا عنها.
نحن الذين نمنح الأماكن أرواحنا…
ثم نعود إليها يومًا، فنكتشف أنها كانت تحمل أرواحنا نحن، أكثر مما كانت تحمل أشخاصًا آخرين.
نقطة وعي:
لا تحكم على مكانٍ من خلال شخصٍ مرّ فيه، ولا تسمح لذكرى مؤلمة أن تصادر منك جمال مكانٍ أحببته يومًا.
فبعض الأماكن تستحق أن نمنحها فرصةً ثانية…
بعد أن نمنح قلوبنا فرصةً للشفاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى