رأي ومقالات

إثيوبيا أمام اختبار جديد: هل تعود حرب تيغراي إلى نقطة الصفر؟ بقلم عمر ابراهيم كرومة

أخباركم نيوز

إثيوبيا أمام اختبار جديد: هل تعود حرب تيغراي إلى نقطة الصفر؟
بقلم: عمر ابراهيم علي كرومة
لم تكن عودة القتال في إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا خلال الأيام الأخيرة مجرد حادث أمني عابر، بل مثّلت أخطر انتكاسة لاتفاق السلام الذي أنهى الحرب الإثيوبية ــ التيغرية عام 2022. وبعد أربع سنوات من الهدوء الهش، عادت القوات الاتحادية الإثيوبية والقوات المرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي إلى المواجهة، وسط مخاوف من أن تتحول المعارك إلى حرب أهلية واسعة، وأن تتجاوز حدود إثيوبيا إلى صراع إقليمي في القرن الأفريقي.
من اتفاق بريتوريا إلى المواجهة الجديدة
الحرب الأولى بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وقوات تيغراي اندلعت في نوفمبر 2020، واستمرت عامين، وخلفت بحسب تقديرات مختلفة مئات الآلاف من القتلى، قبل أن تتوصل الأطراف إلى اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022 بوساطة الاتحاد الأفريقي.
الاتفاق أوقف حرباً مدمرة، لكنه لم يحسم جميع الملفات التي كانت وراء الصراع، ومن بينها قضايا الأراضي المتنازع عليها، وترتيبات الأمن، وعودة النازحين، ونزع سلاح القوات، والعلاقة بين الحكومة المركزية والإدارة الإقليمية في تيغراي.
وخلال الأشهر الماضية، بدأت الخلافات تتصاعد مجدداً، إلى أن تحولت في سبتمبر 2026 إلى مواجهات عسكرية واسعة.
ماذا يحدث الآن؟
في 23 سبتمبر، اندلعت مواجهات كبيرة بين القوات الفيدرالية وقوات تيغراي، وامتدت العمليات إلى مناطق في أمهرا وعفار المجاورتين.
وتقول تقارير رويترز إن قوات تيغراي سيطرت في بداية التصعيد على مطارات رئيسية في الإقليم، بينما أعلنت الحكومة الإثيوبية أنها تصدت للهجوم وألحقت خسائر كبيرة بالقوات المهاجمة. وتؤكد مصادر أخرى أن الاتصالات في أجزاء من تيغراي تعطلت، الأمر الذي يجعل التحقق المستقل من حجم العمليات والخسائر أمراً بالغ الصعوبة.
وفي تطور مهم، أعلنت قوات موالية للحكومة الإثيوبية في 28 سبتمبر السيطرة على ألاماتا، وهي مدينة استراتيجية في جنوب تيغراي، الأمر الذي فتح أمام القوات الحكومية طريقاً باتجاه الشمال نحو ميكيلي، عاصمة الإقليم.
وتشير أحدث التقارير إلى استمرار القتال، مع حديث عن تقدم القوات الحكومية شمالاً، في وقت لم تتضح فيه بصورة مستقلة السيطرة النهائية على جميع المناطق المتنازع عليها.
لماذا عاد الصراع؟
من الخطأ اختزال الأزمة في سبب واحد.
هناك أولاً أزمة الثقة بين الحكومة المركزية وقيادة تيغراي. فكل طرف يتهم الآخر بخرق ترتيبات ما بعد اتفاق بريتوريا والتحضير لجولة جديدة من المواجهة.
وتقول قيادة تيغراي إن تحركاتها عسكرية دفاعية رداً على ما تعتبره اعتداءات وضغوطاً من الحكومة الفيدرالية، بينما تقول الحكومة الإثيوبية إن قوات تيغراي هي التي بدأت الهجوم واستهدفت مواقع حكومية واستولت على مطارات. ولذلك فإن مسألة «من بدأ الجولة الحالية؟» لا تزال محل اتهام متبادل، ولا ينبغي التعامل معها كحقيقة محسومة من طرف واحد.
تحالف جديد يغيّر طبيعة المعركة
التطور الأخطر ربما لا يتعلق بتيغراي وحدها.
ففي سبتمبر أعلنت جبهة تحرير شعب تيغراي، إلى جانب ست جماعات مسلحة وسياسية أخرى، تشكيل تحالف جديد تحت اسم التحالف الإثيوبي لقوى البقاء، بهدف معلن يتمثل في إسقاط حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد.
ويضم التحالف أطرافاً كانت في مراحل سابقة خصوماً لبعضها، ومن بينها جماعات من أمهرا، وهو ما يجعل الصراع أكثر تعقيداً من الحرب السابقة التي كانت تدور أساساً بين الحكومة الفيدرالية وحلفائها من جهة، وقوات تيغراي من جهة أخرى.
وهذا يعني أن السؤال لم يعد فقط:
هل تستطيع الحكومة الإثيوبية السيطرة على تيغراي؟
بل أصبح أيضاً:
هل تستطيع الحكومة منع تحول الصراع في الشمال إلى تحالف مسلح متعدد الأقاليم ضد المركز؟
إريتريا.. الحلقة الأكثر حساسية
لا يمكن قراءة الوضع في تيغراي بعيداً عن إريتريا.
كانت إريتريا حليفاً عسكرياً للحكومة الإثيوبية خلال حرب 2020–2022 ضد قوات تيغراي، لكنها لم تكن طرفاً في اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب.
ومنذ ذلك الوقت تدهورت العلاقة بين أسمرا وأديس أبابا بصورة ملحوظة، خصوصاً مع تصاعد الحديث الإثيوبي عن الحاجة إلى الوصول إلى البحر الأحمر، وما يرتبط بذلك من أهمية استراتيجية لموانئ المنطقة، وخاصة ميناء عصب.
وفي فبراير 2026 اتهمت الحكومة الإثيوبية إريتريا بالعدوان العسكري ودعم جماعات مسلحة داخل إثيوبيا، وهي اتهامات نفتها إريتريا. كما اتهمت الحكومة الإثيوبية في الأزمة الحالية إريتريا بتقديم دعم مالي لبعض الجماعات المعارضة، وهو ما تنفيه أسمرا.
ومن هنا تأتي خطورة تيغراي: أي تحول للمواجهة الإثيوبية ــ التيغرية إلى مواجهة مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا سيغير طبيعة الصراع بالكامل.
وماذا عن السودان ومصر؟
الأزمة لا تجري في فراغ جغرافي.
إثيوبيا تقع في قلب منطقة تعاني أصلاً من أزمات متشابكة: الحرب في السودان، التوتر في البحر الأحمر، عدم الاستقرار في الصومال، والخلافات حول مياه النيل وسد النهضة.
وفي الأيام الأخيرة وجه مسؤولون إثيوبيون اتهامات إلى إريتريا والسودان ومصر بدعم جماعات معارضة داخل إثيوبيا، بينما رفضت الدول الثلاث هذه الاتهامات.
وتحذر تحليلات إقليمية من أن استمرار تبادل الاتهامات قد يؤدي إلى توسيع نطاق الأزمة بدلاً من حصرها داخل الحدود الإثيوبية.
وبالنسبة للسودان تحديداً، فإن تجدد الحرب في شمال إثيوبيا يحمل حساسية استثنائية، لأن السودان نفسه يعيش حرباً منذ 2023، ولأن أي تصعيد واسع في إثيوبيا قد يضيف أزمة أمنية جديدة إلى حدود السودان الشرقية.
البعد الإنساني.. الخطر الأكبر
وراء الحسابات العسكرية والسياسية توجد مأساة إنسانية محتملة.
إقليم تيغراي لم يتعافَ بالكامل من آثار حرب 2020–2022. وتشير التقارير إلى استمرار وجود أعداد كبيرة من النازحين، فضلاً عن آثار الجفاف وضعف الخدمات الصحية والاقتصادية.
ومع عودة القتال، بدأت تظهر مؤشرات مقلقة: تخزين السكان للغذاء والنقد، اضطراب الاتصالات، صعوبة الحركة، ونقص الأدوية.
وفي أحدث التقارير، تحدثت مصادر طبية عن سقوط عشرات المدنيين في المعارك حول ألاماتا، بينهم أطفال، فيما أفادت منظمة أطباء بلا حدود بارتفاع أعداد المصابين الذين يصلون إلى المستشفيات التي تدعمها.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الحرب: حتى لو بقيت المعارك محدودة جغرافياً، فإن تعطيل الطرق والأسواق والاتصالات يمكن أن يعيد بسرعة الظروف الإنسانية القاسية التي شهدها الإقليم خلال الحرب السابقة.
هل نحن أمام حرب شاملة جديدة؟
من المبكر الجزم بأن إثيوبيا دخلت بالفعل حرباً أهلية شاملة على غرار 2020–2022، لكن المؤشرات الحالية تستدعي القلق.
هناك أربعة عوامل تجعل الوضع مختلفاً:
• عودة المواجهة العسكرية بين الحكومة وقوات تيغراي.
• اتساع القتال إلى أمهرا وعفار.
• وجود تحالف جديد يضم جماعات مسلحة من مناطق مختلفة.
• التوتر المتزايد بين إثيوبيا وإريتريا.
ولهذا حذرت جهات إقليمية ودولية من احتمال تحول الأزمة إلى صراع أوسع.
وقد دعا الاتحاد الأفريقي إلى وقف التصعيد والعودة إلى الحوار، كما دعت أطراف دولية إلى إعادة الالتزام باتفاق بريتوريا. وفي 30 سبتمبر دعا البابا ليو الرابع عشر جميع الأطراف إلى اختيار طريق الحوار، محذراً من الآثار الإنسانية للحرب.

خلاصة الأمر الآن إثيوبيا أمام مفترق طرق
المشهد الإثيوبي الحالي لا يمكن فهمه باعتباره مجرد «حرب جديدة في تيغراي». المسألة أعمق من ذلك.
إنها مواجهة بين المركز والأقاليم، وبين ترتيبات السلام القديمة وتوازنات القوة الجديدة، وبين المصالح الداخلية والحسابات الإقليمية.
وقد تكون الحكومة الإثيوبية قادرة عسكرياً على استعادة بعض المناطق، كما حدث في ألاماتا، لكن السيطرة العسكرية على المدن لا تعني بالضرورة حل جذور الأزمة السياسية.
وفي المقابل، فإن عودة قوات تيغراي إلى الحرب لا تعني تلقائياً قدرتها على إعادة إنتاج ظروف حرب 2020–2022؛ فميزان القوى والتحالفات الداخلية والإقليمية تغيرت بصورة كبيرة.
والسؤال الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط من يسيطر على ميكيلي أو ألاماتا، وإنما: هل تستطيع إثيوبيا إعادة إنتاج مسار سياسي يمنع تحول الصراع الحالي إلى حرب إقليمية مفتوحة؟
فإذا بقيت المواجهة محصورة ومؤقتة، فقد تكون هناك فرصة لإحياء مسار بريتوريا. أما إذا دخلت إريتريا أو توسعت الجبهات في أمهرا وعفار، أو أصبحت الجماعات المسلحة المعارضة تعمل في إطار جبهة موحدة، فإن أزمة تيغراي قد تتحول من نزاع داخلي إلى أزمة كبرى تهدد استقرار القرن الأفريقي كله.
اللهم عليك بالظالمين واخرجنا من بينهم سالمين
اللهم انصر قوات الشعب المسلحة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى