رأي ومقالات

بين نُبل العطاء وهمس المصلحة: وجه آخر للعمل التطوعي بقلم✍🏻 احمد الدرديري

أخباركم نيوز

بين نُبل العطاء وهمس المصلحة: وجه آخر للعمل التطوعي
بقلم✍🏻 احمد الدرديري.
أخباركم نيوز
في عالمٍ يموج بالتحديات، يظل العمل التطوعي واحدًا من أنبل الصور التي تعبّر عن إنسانيتنا. إنه العطاء الخالص، الذي لا ينتظر جزاءً ولا شكورًا، واليد التي تُمدّ لمساعدة الآخرين في لحظة عجز أو حاجة، دون مقابل. غير أن هذا المفهوم المثالي لم يسلم من التغيرات التي طرأت على المجتمعات، ليصبح في كثير من الأحيان ساحة خفية تتقاطع فيها النوايا الطيبة مع المصالح الشخصية.

لم يعد التطوع حكرًا على أصحاب الرسالة الإنسانية، بل أصبح، بالنسبة للبعض، وسيلة لتحقيق أهداف شخصية، ككسب الشهرة، أو تعزيز السيرة الذاتية، أو فتح أبواب نحو مناصب مرموقة. وهذا التحول لا يعني بالضرورة تراجع قيمة العمل التطوعي، لكنه يستدعي الوقوف عند الحدود الدقيقة بين خدمة المجتمع وخدمة الذات.

فحين يصبح التطوع سلّمًا للظهور الإعلامي أو للحصول على منح ودعم مؤسساتي، أو حتى لتمهيد الطريق إلى المناصب القيادية، تبدأ الأسئلة بالتصاعد: هل فقد العمل التطوعي جوهره؟ وهل يمكن أن تتعايش النوايا الشخصية مع الهدف العام دون أن تُفسده؟

الواقع أكثر تعقيدًا من تصنيفات الأبيض والأسود. فليس من الخطأ أن يحقق الإنسان فائدة ذاتية من عمله التطوعي، طالما لم يكن ذلك على حساب مصلحة الآخرين أو نزاهة المبادرة. بل إن الجمع بين المنفعة الشخصية والمجتمعية قد يكون محفزًا للاستمرار، ودافعًا لتحسين الأداء. المشكلة تبدأ حين يُختزل التطوع في مظهر خارجي، بلا أثر حقيقي، وتُستخدم حاجات الناس كوسيلة للوصول، لا كغاية للعطاء.

في المقابل، ما زال هناك كثيرون ممن يمارسون العمل التطوعي بإخلاص تام، دون عدسات ولا أضواء، في صمت يشبه جمال الأفعال التي لا تُروى. هؤلاء هم الروح الحقيقية لأي مجتمع، وهم البرهان على أن الخير لا يزال مزروعًا في القلوب، رغم كل ما يُقال عن المصلحة والانتهازية.

إننا بحاجة اليوم إلى إعادة النظر في مفهوم العمل التطوعي، لا لإقصاء من يملكون أهدافًا خاصة، بل لتذكير الجميع بأن الأصل فيه هو النُبل، وأن العطاء لا يكون عطاءً إن لم يتقدمه الصدق. فلتكن المصالح إن وُجدت، مكمّلة لا مهيمنة، ولتبقَ إنسانيتنا البوصلة التي تُرشدنا حين تتداخل الطرق.

في النهاية، لا يُقاس العمل التطوعي بعدد الصور التي تُنشر، ولا بعدد الشهادات التي تُمنح، بل بالأثر الذي يتركه في حياة الناس. ففي صخب هذا العالم، ما أحوجنا إلى فعل بسيط، خالص، يُعيد ترتيب أولوياتنا، ويُعيدنا إلى الإنسان فينا.
الرفض الإلكتروني يمنع الوصل من التواصل الاجتماعي بقلم/ أحمد الدرديري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى