
الرفض الإلكتروني يمنع الوصل من التواصل الاجتماعي
بقلم/✍🏻 أحمد الدرديري.
أخباركم نيوز
في زمنٍ أصبح فيه الحضور الرقمي أكثر تأثيرًا من اللقاء الواقعي، تشكّلت علاقاتنا الاجتماعية على منصات لا يتجاوز سمكها الزجاج، لكنها تختزن بين طياتها مشاعرَ كاملة، وانفعالاتٍ متدفقة، وأحيانًا، خيباتٍ لا تُحصى. ففي اللحظة التي ينتظر فيها أحدهم ردًّا على رسالة أرسلها بصدق، أو طلبَ تواصل من صديق، قد يكون الردّ مجرّد “تجاهل” بارد، لا يُسمع فيه صوت ولا يُرى فيه وجه، لكنه يترك جرحًا لا يلتئم بسهولة.
الرفض الإلكتروني، ذلك الصمت الثقيل الذي يأتي عبر “عدم الرد”، أو الحظر، أو الإلغاء من المتابعة، أصبح أحد أكثر أشكال القطيعة النفسية حدة. إذ لا يحتاج الرافض إلى تبرير، ولا يضطر لشرح، ولا يحمل على عاتقه مشقّة المواجهة. فقط نقرة واحدة، ثم انسحاب بلا صوت، فيترَك الطرف الآخر في متاهة من الأسئلة والافتراضات، يحاول أن يفهم لماذا وكيف ومتى حدث ذلك.
الخصوصية التي تمنحها التكنولوجيا تحوّلت سلاحًا حادًّا في العلاقات، والسهولة التي نقطع بها الروابط في العالم الرقمي جعلتنا نفقد صلابة علاقاتنا الواقعية. لم نعد نُجبر على المصارحة، بل نختار الانسحاب بكل ما يحمله من لا مبالاة. وهكذا، لم يعد التواصل الاجتماعي -كما أرادته التكنولوجيا- وسيلة للتقارب، بل بات أحيانًا ساحة صراع صامتة لا تُسمع فيها إلا أصداء الرسائل التي لم تُفتح، والطلبات التي لم تُقبل.
النفور الذي يُشعر به المرء بعد أن يُرفض رقميًّا لا يقلّ ألمًا عن التجاهل في الواقع، بل يزيد، لأنه يأتي دون سياق، وبدون كلمات، ولا حتى فرصة لفهم الموقف أو إصلاحه. الرفض الإلكتروني هو باب يُغلق دون صوت، لكنه يصفق في داخل النفس مرارًا.
كثير من الشباب اليوم باتوا يعانون من تبعات هذا الشكل الحديث من الرفض. يقيّمون ذواتهم من خلال ردود الفعل الرقمية، وينتظرون قبولهم من خلال عدد الإعجابات والمتابعين. فإن غاب التفاعل، دخلوا دوامة من الشك في أنفسهم، وربما الانعزال والاكتئاب. ومع انتشار ثقافة “التجاهل هو الحل”، أصبحت المواجهة مهددة بالانقراض، والتسامح أمرًا نادرًا، والصفح ضربًا من الخيال.
الحقيقة المؤلمة أن التكنولوجيا، رغم ما قدمته من تسهيلات، لا تزال عاجزة عن نقل حرارة المشاعر البشرية، وعن شرح سياق الرفض، أو تقديم عزاء لمن طاله الصمت الرقمي. لقد غاب الوصل، وانقطع الحبل الذي كان يربط بيننا كبشر في أضعف لحظاتنا وأقواها. وصرنا نعيش تحت رحمة إشعارات لا تصل، ورسائل لا تُقرأ، وتفاعل لا يأتي.
وربما آن الأوان لنعيد التفكير في معنى “التواصل الاجتماعي”. هل هو مجرّد تفاعل سطحي عابر، أم أنه مسؤولية إنسانية تتطلب احترام الآخر ومشاعره، حتى إن قررنا الابتعاد؟ فالرفض، في كل زمان ومكان، حق، لكن احترام الطرف الآخر هو واجب لا تسقطه التكنولوجيا.
الخرطوم تحتضن العائدين: عودة الأمل بعد سنوات من الحرب والتهجير بقلم ✍🏻احمد الدرديري.






