الأخبارالإقتصادالتقارير والحوارات

أعرف عميلك… ما وراء رسائل تحديث البيانات المصرفية في السودان؟

أخباركم نيوز

أعرف عميلك… ما وراء رسائل تحديث البيانات المصرفية في السودان؟
تقرير تحليلي :رابعة دحفوس
وصلت الرسالة إلى هواتف ملايين السودانيين بعبارة بدت للوهلة الأولى بسيطة ومطمئنة: «رحلتنا معاك مستمرة والجاى دائماً أحلى، حدّث بياناتك لدى أقرب فرع وكمل معانا المشوار».

لكن خلف هذه الكلمات الودودة، ظهرت موجة واسعة من التساؤلات والقلق بين العملاء. هل أصبح تحديث البيانات إلزامياً؟ وما طبيعة المعلومات المطلوبة؟ وهل هناك موعد نهائي محدد؟ وما مصير الحسابات التي لن تُحدَّث؟ وكيف يمكن تنفيذ هذا الإجراء بالنسبة للسودانيين الذين غادرتهم الحرب إلى مدن أخرى أو إلى خارج البلاد؟

هذه الأسئلة دفعتني إلى التواصل مع بنك السودان المركزي، باعتباره الجهة التي أصدرت التوجيه إلى المصارف، لفهم خلفيات الرسالة وأسباب إرسالها في هذا التوقيت.

وبحسب الإفادة التي حصلت عليها، فإن تحديث بيانات العملاء ليس إجراءً استثنائياً ولا قراراً يخص مصرفاً بعينه، بل هو متطلب رقابي مستمر يُطبق على جميع المصارف العاملة في البلاد، ويأتي ضمن ما يُعرف بمبدأ «أعرف عميلك» (KYC)، وهو أحد المعايير الأساسية المعتمدة في الأنظمة المصرفية العالمية.

ولا يقتصر هذا المبدأ على جمع البيانات عند فتح الحساب فقط، بل يمتد طوال فترة العلاقة بين المصرف والعميل فيما يُعرف بمفهوم «العناية الواجبة المستمرة»، الذي يفرض على المؤسسات المالية مراجعة بيانات العملاء بصورة دورية للتأكد من دقتها وحداثتها.

ويُعد هذا الإجراء جزءاً من منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهي منظومة تلتزم بها جميع المصارف وفقاً للمعايير الدولية التي وضعتها مجموعة العمل المالي (FATF)، ما يعني أن أي مصرف يطلب من عملائه تحديث البيانات لا يقوم بذلك بمبادرة فردية، وإنما تنفيذاً لتعليمات رقابية ملزمة.

وليس السودان استثناءً في هذا المجال. فالمصارف في مختلف دول العالم، وخاصة في المراكز المالية الكبرى، تطبق إجراءات أكثر صرامة فيما يتعلق بتحديث بيانات العملاء. ومن اعتاد التعامل مع المصارف في دول الخليج أو أوروبا يدرك أن طلب مراجعة البيانات بصورة دورية أصبح جزءاً طبيعياً من العلاقة المصرفية.

وفي كثير من الحالات، قد تؤدي عدم الاستجابة لطلبات التحديث إلى تقييد بعض الخدمات المصرفية أو تعليقها مؤقتاً إلى حين استكمال الإجراءات المطلوبة.

أما البيانات التي تطلبها المصارف عادة، فتشمل المعلومات الشخصية الأساسية، والعنوان، وطبيعة النشاط الاقتصادي، ومصدر الأموال، ووسائل التواصل المرتبطة بالحساب.

وتبرز أهمية تحديث وسائل الاتصال على وجه الخصوص في ظل تزايد عمليات الاحتيال الإلكتروني. فكثير من حالات الاستيلاء على الحسابات تبدأ من أرقام هواتف قديمة لم تُحدَّث، أو من شرائح اتصال أصبحت في حوزة أشخاص٦ آخرين، أو من بيانات اتصال لم تعد صحيحة.

وعندما تكون بيانات العميل محدثة، يصبح من السهل على المصرف اكتشاف أي نشاط غير اعتيادي والتواصل مع صاحب الحساب بسرعة عند الاشتباه في أي معاملة.

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى تحديث البيانات باعتباره عبئاً إضافياً على العميل، بل باعتباره إجراءً يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية أمواله وتعزيز أمن حسابه المصرفي.

لكن القضية لا تتعلق بالأفراد وحدهم، بل تمتد إلى النظام المصرفي السوداني بأكمله.

فالمصارف السودانية تعتمد على علاقات مع مؤسسات مالية خارجية لتنفيذ التحويلات المالية وتمويل التجارة الدولية. وهذه المؤسسات تُخضع المصارف المحلية لتقييمات دقيقة تتعلق بجودة أنظمة الامتثال والعناية الواجبة.

وقد أدى ضعف هذه الأنظمة في عدد من الدول النامية إلى فقدان علاقاتها مع المصارف المراسلة، وهي ظاهرة تُعرف باسم «إنهاء العلاقات المصرفية»، الأمر الذي انعكس سلباً على حركة التجارة والتحويلات المالية.

وفي المقابل، كلما تحسنت جودة البيانات المصرفية وارتفعت مستويات الامتثال، ازدادت ثقة المؤسسات المالية الدولية، وانخفضت تكاليف التحقق، وتسارعت عمليات التحويل والتبادل التجاري.

ومع ذلك، فإن سلامة الإجراء لا تعني بالضرورة أن آلية تنفيذه خالية من المشكلات.

فالدعوة إلى مراجعة «أقرب فرع» تفترض وجود فرع مصرفي يمكن الوصول إليه بسهولة، وهو افتراض لا يتوافق مع الواقع الحالي في السودان.

فالحرب أجبرت مئات الآلاف على مغادرة مدنهم، وانتقل كثيرون إلى ولايات أخرى أو إلى خارج البلاد، بينما توقفت الخدمات المصرفية في مناطق عديدة.

وفي ظل هذه الظروف، يبدو من الضروري أن تتجه المصارف وبنك السودان المركزي نحو توفير آليات رقمية معتمدة تسمح للعملاء بتحديث بياناتهم إلكترونياً، عبر التطبيقات المصرفية أو المنصات الرقمية أو وسائل التحقق الإلكترونية المعتمدة.

فهذا التوجه لا يمثل خروجاً عن الضوابط الرقابية، بل يعكس قدرة المؤسسات المصرفية على التكيف مع المتغيرات الاستثنائية التي فرضتها الحرب.

كما أن تسهيل إجراءات التحديث يسهم في الحفاظ على الشمول المالي، وهو أحد الأهداف الرئيسية التي تعمل عليها المؤسسات المالية في مختلف دول العالم.

فالعميل الذي لا يجد وسيلة مناسبة لتحديث بياناته قد يتجه إلى استخدام حسابات الآخرين أو اللجوء إلى وسائل غير رسمية لتحويل الأموال، وهو ما يعني عملياً خروجه من النظام المصرفي الرسمي.

وفي الوقت نفسه، ينبغي الفصل بين إجراءات تحديث البيانات وجرائم الاحتيال الإلكتروني التي يتداولها الناس على نطاق واسع.

فمعظم عمليات الاحتيال لا تنتج عن اختراق الأنظمة المصرفية نفسها، وإنما تبدأ نتيجة الاستيلاء على وسائل الاتصال أو إفشاء رموز التحقق أو التعامل مع جهات غير رسمية.

ولهذا، تبقى حماية رمز التحقق، والحفاظ على شريحة الهاتف، وعدم مشاركة البيانات المصرفية مع أي جهة غير معتمدة، من أهم الإجراءات التي تساعد على حماية الحسابات.

وفي نهاية المطاف، تبدو رسائل تحديث البيانات المصرفية إجراءً رقابياً معتاداً في الأنظمة المصرفية حول العالم، لكنها وصلت إلى السودانيين في توقيت استثنائي فرضته الحرب وظروف النزوح واللجوء، الأمر الذي جعلها تبدو للكثيرين مصدر قلق أكثر من كونها خطوة تنظيمية.

وإذا كان المطلوب من العملاء هو تحديث بياناتهم لحماية حساباتهم، فإن المطلوب من المصارف أيضاً هو تطوير وسائل التواصل، وتقديم معلومات أكثر وضوحاً، وإتاحة بدائل رقمية تراعي واقع السودانيين داخل البلاد وخارجها.

فالخدمة المصرفية الناجحة لا تقتصر على تطبيق اللوائح، بل تقوم أيضاً على فهم ظروف العملاء وتقديم حلول تتناسب مع واقعهم، خصوصاً في بلد ما زال يحاول إعادة بناء مؤسساته وسط واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في تاريخه الحديث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى