زولة رأي : بقلم ماجدة الحسين 21 أكتوبر… يوم انتفض الشعب، ويوم يحتاج السودان أن يتكاتف أبناؤه لصناعة المستحيل
أخباركم نيوز

زولة رأي : بقلم ماجدة الحسين
21 أكتوبر… يوم انتفض الشعب، ويوم يحتاج السودان أن يتكاتف أبناؤه لصناعة المستحيل
أخباركم نيوز
في الحادي والعشرين من أكتوبر، لا نستدعي ذكرى عابرة في تاريخ السودان، بل نستحضر لحظة استثنائية أثبت فيها الشعب السوداني أن إرادة الشعوب أقوى من كل محاولات كسرها، وأن الأوطان العظيمة لا يصنع مجدها فرد، ولا تحمي مستقبلها فئة، بل يصنعه شعب يعرف قيمة حريته، ويؤمن بأن كرامته ليست موضع مساومة.
إنه يوم محفور في ذاكرة الوطن، يوم انتفض فيه السودانيون عام 1964، واستطاعوا بإرادتهم الشعبية إسقاط نظام الفريق إبراهيم عبود وفتح الطريق أمام الحكم المدني. لم تكن ثورة أكتوبر مجرد حدث سياسي، بل كانت رسالة خالدة تقول إن الشعب حين يتوحد حول قضيته، ويؤمن بحقه في التغيير، يستطيع أن يصنع ما يظنه الآخرون مستحيلاً.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا تعني لنا أكتوبر والسودان يمر بكل هذه المحن؟
هل نكتفي باستعادة الشعارات، ونرفع الأناشيد، ونستحضر صور الماضي، أم نجعل من هذه الذكرى موقفاً وطنياً حقيقياً نواجه به واقعنا ونصنع به مستقبلنا؟
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى الحنين وحده، ولا إلى خطابات تُلهب المشاعر ثم تنطفئ بانتهاء المناسبة؛ السودان يحتاج إلى أبنائه وبناته، إلى ضمائرهم الحية، وعقولهم الواعية، وأيديهم المتكاتفة، وإلى إرادة وطنية تتجاوز الخلافات الصغيرة من أجل قضية أكبر اسمها السودان.
بلادنا تنزف، وشعبنا أنهكته الحرب، وتفرقت بأبنائه سبل الحياة، وفقد كثيرون أحباءهم ومنازلهم وأحلامهم. هناك طفل ينتظر أن يعود إلى مقعده الدراسي، وأم تحلم بالأمان، وشاب يبحث عن فرصة ليبني بها مستقبله، وأسرة لا تريد أكثر من حياة كريمة وسماء لا تمطر خوفاً.
هؤلاء جميعاً ليسوا أرقاماً في نشرات الأخبار؛ إنهم السودان الذي يجب أن ننتصر من أجله.
يا أبناء السودان… إن الوطن أكبر من خلافاتنا!
أكبر من انتماءاتنا الضيقة، وأكبر من حساباتنا الشخصية، وأغلى من أن نتركه أسيراً للفرقة والتنازع. لا يمكن أن نبني وطناً ونحن نهدم بعضنا بعضاً، ولا يمكن أن نعبر إلى بر الأمان ونحن نستهلك طاقاتنا في تبادل الاتهامات بدلاً من توجيهها نحو البناء والإعمار.
إن التكاتف ليس مجرد كلمة جميلة نرددها في المناسبات الوطنية، بل هو مسؤولية تبدأ من احترام بعضنا بعضاً، ومن إغاثة المحتاج، ودعم المتضررين، وحماية النسيج الاجتماعي، ومساندة التعليم والصحة، وفتح أبواب الأمل أمام الشباب، والوقوف مع كل جهد صادق يسعى إلى وقف الحرب وتحقيق السلام واستعادة الحياة.
نحتاج إلى أن نختلف دون أن نتباغض، وأن نتحاور دون أن نتخون، وأن نضع مصلحة السودان فوق المصالح الحزبية والشخصية، وأن ندرك أن اختلافنا في الرؤى لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة تمزق ما تبقى من نسيجنا الوطني.
فنحن السودانيين، حين نتكاتف، قادرون على صناعة المستحيل.
هذه ليست عبارة للاستهلاك العاطفي، بل حقيقة تشهد عليها مواقف شعبنا في أوقات الشدة؛ حين يتقاسم الناس القليل، ويفتحون أبواب بيوتهم للنازحين، ويسند بعضهم بعضاً في لحظات الفقد والخوف، وحين تتحول المبادرات الشعبية إلى جسور للنجاة، ويصبح التكافل سلاحاً في وجه الانكسار.
في تلك اللحظات يظهر المعدن السوداني الأصيل، وتنكشف الحقيقة التي يجب ألا ننساها أبداً: إن قوة السودان ليست في موارده وحدها، ولا في أرضه الواسعة، ولا في ثرواته الكامنة، بل في الإنسان السوداني؛ في قدرته على الصبر، وفي شهامته، وفي إصراره على الحياة، وفي استعداده للنهوض مهما اشتدت العواصف.
لكن علينا أن ننتقل من بطولة الصمود إلى مسؤولية البناء، ومن الاكتفاء بالفخر بالماضي إلى صناعة مستقبل يليق بتضحيات شعبنا.
إن العبور إلى بر الأمان يحتاج إلى إرادة سياسية جادة، ووقف للحرب، وسلام عادل، ومصالحة وطنية حقيقية، ومؤسسات تحترم الإنسان وحقوقه، وعدالة لا تستثني أحداً، ومشروع وطني يجمع السودانيين على إعادة بناء ما دمرته الحرب، واستعادة ثقة المواطن في دولته ومستقبله.
فلا سلام بلا إرادة، ولا إعمار بلا استقرار، ولا نهضة بلا تعليم، ولا وطن قوي بلا مواطن يشعر بأن كرامته مصونة، وصوته مسموع، وحقوقه محفوظة.
21 أكتوبر ليس مجرد ذكرى نستعيدها، بل أمانة نسأل أنفسنا أمامها: ماذا سنفعل من أجل السودان؟
هل سنترك الأجيال القادمة ترث وطناً مثقلاً بالجراح، أم سنمنحها فرصة أن ترث وطناً يتعلم من أخطائه، ويصالح أبناءه، ويستعيد عافيته، ويقف من جديد بين الأمم؟
إن الوفاء لأكتوبر لا يكون بتقديس التاريخ، بل بفهم رسالته، ولا يكون بترديد شعارات الحرية، بل بحماية كرامة الإنسان، ولا يكون بالحديث عن وحدة الصف، بل بتحويلها إلى سلوك ومواقف ومبادرات وعمل يومي.
فلنمد أيدينا لبعضنا بعضاً، ولنحاصر خطاب الكراهية، ولنرفض كل ما يمزق مجتمعنا، ولنمنح الأمل لمن فقدوا الأمل، ولنجعل من اختلافنا مصدراً للقوة لا مدخلاً للانهيار.
فالسودان ليس ملكاً لجيل واحد، ولا لحزب واحد، ولا لجهة واحدة؛ السودان وطن الجميع، ومسؤولية الجميع، ومستقبل أبنائنا جميعاً.
نقطة الوعي
في أكتوبر تعلمنا أن الشعب حين يمتلك إرادته يستطيع أن يغير مجرى التاريخ، واليوم يعلّمنا واقعنا أن الإرادة وحدها تحتاج إلى وعي، وأن الحماس يحتاج إلى عمل، وأن الوطنية الحقيقية ليست في ارتفاع أصواتنا باسم الوطن، بل في مقدار ما نقدمه من أجله.
قد تكون جراح السودان عميقة، وقد يكون الطريق إلى التعافي طويلاً، لكن الأوطان لا تموت ما دام فيها من يؤمن بها، ولا تنهض بالتمني، بل بسواعد أبنائها وتكاتفهم وإخلاصهم.
فلنتكاتف من أجل السودان، ولنجعل من 21 أكتوبر عهداً جديداً بأن نكون أكبر من جراحنا، وأقوى من خلافاتنا، وأوفى لوطننا.
سلام على أكتوبر، سلام على الذين جعلوا إرادة الشعب صوتاً لا يمكن تجاهله، وسلام على السودان، أرضاً وإنساناً وتاريخاً ومستقبلاً.
عاش السودان حراً، آمناً، موحداً، وعاش شعبه عزيزاً قادراً على صناعة المستحيل







