التقارير والحوارات

الشهرة والانفلات الرقمي: أين القانون من هذه الفوضى؟ بقلم/ د. حسين عمر عثمان – وجهة نظر

أخباركم نيوز

الشهرة والانفلات الرقمي: أين القانون من هذه الفوضى؟
بقلم/ د. حسين عمر عثمان – وجهة نظر
أخباركم نيوز
في زمن الحرب، حين تتصدّع البُنى الاجتماعية وتضطرب معايير الحكم على الأشياء، لا تعود الشهرة مجرد نتيجة طبيعية للتميّز، بل قد تتحول في بعض الأحيان إلى غايةٍ في ذاتها، تُطلب بأي ثمن، ولو كان ذلك الثمن على ضياع الوطن أو تفكيك المجتمع أو تسميم المزاج الوطني الذي يمر أصلًا بحالة إحباط. وفي مثل هذه البيئات الهشّة، أفرزت الفوضى في السودان، بما تحمله من تباينات اجتماعية وانقسامات حادة، نمطًا جديدًا من “صنّاع المحتوى”، أو ما يُعرف شعبيًا بـ“اللايفاتية”، الذين لا يستثمرون في المعرفة أو الإبداع أو تنمية المواهب، بقدر ما يراهنون على الإثارة الرخيصة، والصدمة المقصودة، والسخرية والإساءة، وكسر السقف الأخلاقي بوصفه الطريق الأقصر إلى الانتشار.هذه الظاهرة، التي يمكن توصيفها اصطلاحًا بـ“الانفلات الرقمي”، لم تعد مجرد انحراف فردي عابر، بل تحولت إلى تيارٍ له جمهوره وتأثيره، بل وقدرته في بعض الأحيان على إعادة تشكيل الأولويات والاهتمامات داخل المجتمع، وربما التأثير في صُنّاع القرار أنفسهم. غير أن الخطر لا يكمن فقط في انحدار الذوق العام، بل فيما هو أعمق من ذلك: إعادة هندسة الوعي الاجتماعي عبر خطابٍ يخلط بين الحرية والفوضى، وبين الجرأة والانفلات، وبين النقد المسؤول والهدم العبثي. فعندما يصبح كل ما “يمكن أن يُقال” و”ما لا ينبغي أن يُقال” مادةً للنشر والتداول، تنهار الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والانتهاك الأخلاقي، وتتحول المنصات الرقمية إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات، وبث الكراهية، والتأثير على الرأي العام دون ضوابط. والأخطر أن هذا النمط من المحتوى لم يعد يقف عند حدود الترفيه أو الجدل، بل امتد أثره إلى المجالين السياسي والأمني، إذ باتت بعض المنصات، عبر التضخيم أو التهويل أو التزييف، قادرة على التأثير في اتجاهات الرأي العام، وإضعاف معنويات المقاتلين، وتشويش الإدراك الجمعي لطبيعة الصراع، بل وربما إذكاء الفتنة. وهنا يتحول “المحتوى” من مجرد خطاب إعلامي إلى أداة ضغط، وعنصر فاعل في معادلة الصراع ذاته، في وقتٍ تحتاج فيه المجتمعات التي تمرّ بمرحلة نزاع إلى خطابٍ جامع يرمم التصدعات، ويعزز الثقة، ويُعلي من قيم التضامن والمسؤولية، لا إلى خطابٍ يُغذّي الانقسام ويُضخّم الهامشي على حساب الجوهري، ويُقدّم نماذج سلوكية تقوم على الاستعراض لا على الإنجاز، وعلى الصخب لا على القيمة. وللأسف، على مسمع ومرأى السلطة. من هنا، يصبح التدخل العدلي والقانوني ليس خيارًا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية، غير أنه تدخلٌ ينبغي أن يقوم على توازن دقيق: تشريعات واضحة تُجرّم المحتوى الضار الذي يهدد السلم الاجتماعي أو يُحرّض على الكراهية أو يُضعف الروح المعنوية في أوقات النزاع، دون أن تتحول إلى أداة لمصادرة حرية التعبير. فالفوضى ليست حرية، والانفلات ليس حقًا، والرقابة المسؤولة ليست قمعًا، بل صيانة للمجال العام. ومع ذلك، يبقى القانون وحده قاصرًا ما لم يُسنده مسارٌ قيمي وتوعوي يعيد الاعتبار لمنظومة الأخلاق العامة، ويربط الشهرة بالإنجاز، والانتشار بالفائدة، ويمكّن النماذج الإيجابية من صنّاع المحتوى الذين يقدمون معرفة حقيقية أو إبداعًا أصيلًا أو خطابًا يليق بمجتمع يسعى للنهوض رغم الجراح. إن السودان، بتاريخِه وتنوّعه وعمقه الحضاري، لا يمكن أن يُختزل في محتوى سطحي عابر، ولا أن تُحدَّد ملامحه أصواتٌ تبحث عن الضوء في ظلام الفوضى، فالأمم لا تُبنى بالضجيج، بل بالمعنى والقيم والأخلاق، ولا تُقاس بحجم الانتشار، بل بعمق الأثر. وتبقى الحقيقة التي ينبغي أن نستعيدها واضحة وبسيطة: ليست الشهرة في أن تُقال كل الأشياء، بل في أن يُقال ما يستحق أن يُقال، وليست القيمة في كثرة المتابعين، بل في نوعية الأثر الذي نتركه في عقول الناس وضمائرهم. إن الإجابة على السؤال المطروح لا ينبغي أن تكون بالصمت، لأن الصمت في مثل هذه اللحظات يُعدّ مساهمة غير مباشرة في استمرار الفوضى، في وقتٍ تتعرض فيه الدول لهزات عميقة تمس وجودها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى