التقارير والحوارات

نساء السودان الحوامل بين الحرب وانهيار النظام الصحي.. رحلة محفوفة بالمخاطر تهدد حياة الأمهات والمواليد

أخباركم نيوز

نساء السودان الحوامل بين الحرب وانهيار النظام الصحي.. رحلة محفوفة بالمخاطر تهدد حياة الأمهات والمواليد
تقرير إنساني | رابعة دحفوس
في غرفة ولادة تفتقر إلى أبسط التجهيزات الطبية، تقف امرأة سودانية على أعتاب واحدة من أكثر اللحظات حساسية في حياتها. لكنها لا تواجه آلام المخاض وحدها، بل تواجه حرباً مستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، ونظاماً صحياً منهكاً، ونقصاً حاداً في الأدوية والمعدات والكوادر الطبية.

هذه الصورة لم تعد استثناءً في السودان، بل أصبحت واقعاً يومياً تعيشه آلاف النساء الحوامل، وفقاً لتحذيرات أطلقها صندوق الأمم المتحدة للسكان، الذي أكد أن النساء السودانيات يواجهن مخاطر متزايدة بفقدان مواليدهن أثناء الولادة، وفي بعض الحالات يفقدن حياتهن أيضاً بسبب غياب الرعاية الصحية المتخصصة واستمرار النزاع المسلح.

الحرب تضاعف مخاطر الحمل والولادة

منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، تعرض القطاع الصحي السوداني لضغوط غير مسبوقة نتيجة تدمير المرافق الصحية، وتعطل الخدمات الأساسية، ونزوح الملايين من السكان داخل البلاد وخارجها.

ويشير صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن ملايين النساء والفتيات في سن الإنجاب تأثرن بشكل مباشر بالأزمة، بينما أصبحت مئات الآلاف من النساء الحوامل بحاجة إلى خدمات صحية عاجلة لا تتوفر في كثير من المناطق المتضررة من النزاع.

ومع تزايد أعداد النازحين، أصبحت المستشفيات القليلة التي ما تزال تعمل عاجزة عن استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى، الأمر الذي أدى إلى تراجع خدمات رعاية الأمومة بشكل ملحوظ.

أرقام تكشف حجم الأزمة

تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 2.56 مليون امرأة وفتاة في سن الإنجاب نزحن داخل السودان، من بينهن ما يقرب من 250 ألف امرأة حامل.

كما أوضح صندوق الأمم المتحدة للسكان أن أكثر من 272 ألف امرأة حامل كنّ ضمن الفئات النازحة خلال فترة الأزمة، بينما كان من المتوقع أن تلد نحو 91 ألف امرأة خلال ثلاثة أشهر فقط.

وتشير دراسة علمية نُشرت عام 2025 إلى أن أكثر من 1.1 مليون امرأة حامل في السودان يحتجن بصورة عاجلة إلى الرعاية الطبية، في ظل الانهيار المستمر للبنية التحتية الصحية.

عندما تصبح الولادة رحلة خطرة

في العديد من مناطق السودان، لم تعد المشكلة مرتبطة بالحصول على الرعاية الصحية فحسب، بل بالوصول إليها أساساً.

فالنساء الحوامل يقطعن مسافات طويلة للوصول إلى أقرب مركز صحي، بينما تضطر أخريات إلى الولادة داخل مخيمات النزوح أو في المنازل من دون إشراف طبي متخصص.

وفي بعض الحالات، تمشي النساء النازحات أياماً طويلة بحثاً عن الأمان، بينما تلد أخريات أثناء رحلة النزوح نفسها.

ويحذر خبراء الصحة من أن غياب المتابعة الطبية خلال فترة الحمل يزيد من احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة، مثل النزيف الحاد وارتفاع ضغط الدم والالتهابات وتعسر الولادة، وهي مضاعفات يمكن علاج معظمها إذا توفرت الرعاية الصحية المناسبة.

انهيار المستشفيات ونقص الكوادر الطبية

تسببت الحرب في خروج عدد كبير من المرافق الصحية عن الخدمة، خاصة في المناطق التي شهدت مواجهات عسكرية مباشرة.

وأصبحت المستشفيات العاملة تواجه نقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية وأجهزة الطوارئ، إضافة إلى هجرة العديد من الأطباء والممرضين والقابلات.

ويؤكد صندوق الأمم المتحدة للسكان أن القابلات يمثلن خط الدفاع الأول في إنقاذ حياة الأمهات والأطفال، إذ يمكن للقابلات المدربات داخل بيئة صحية مناسبة المساهمة في منع نحو ثلثي وفيات الأمهات وحديثي الولادة. ومع ذلك، لا تزال هذه الكوادر تعاني نقصاً حاداً في السودان.

جهود إنسانية لإنقاذ الأمهات

رغم التحديات، يواصل صندوق الأمم المتحدة للسكان وشركاؤه تقديم خدمات الصحة الإنجابية في المناطق المتضررة.

وبين يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2026، تمكنت الفرق المدعومة من الصندوق من الوصول إلى نحو 25 ألف شخص داخل السودان.

كما تلقت أكثر من 3600 امرأة خدمات رعاية ما قبل الولادة، بينما استفادت 808 نساء من خدمات الرعاية بعد الولادة عبر المرافق الصحية والعيادات المتنقلة المدعومة من الأمم المتحدة.

وفي عام 2025، تمكن الصندوق وشركاؤه من تقديم خدمات منقذة للحياة لأكثر من 667 ألف امرأة وفتاة، إلى جانب تشغيل فرق صحية متنقلة وتوفير مساحات آمنة للدعم النفسي والاجتماعي.

الحاجة إلى استجابة عاجلة

يرى العاملون في المجال الإنساني أن حماية النساء الحوامل في السودان لم تعد قضية صحية فحسب، بل أصبحت قضية إنسانية ملحة تتطلب استجابة دولية عاجلة.

فكل يوم تستمر فيه الحرب، تتزايد احتمالات فقدان المزيد من الأمهات وأطفالهن بسبب أسباب يمكن الوقاية منها.

وتؤكد الأمم المتحدة أن ضمان حصول النساء على خدمات الولادة الآمنة والرعاية الطبية المتخصصة يجب أن يكون أولوية إنسانية لا تحتمل التأجيل، لأن إنقاذ حياة الأمهات يعني حماية جيل كامل يواجه مستقبلاً يزداد غموضاً يوماً بعد يوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى