
أديس أبابا.. هل تفقد مقر الاتحاد الإفريقي؟
تقرير :عثمان عبدالهادي
تتصاعد اليوم في أروقة السياسة القارية تساؤلات جوهرية تتجاوز نطاق التوترات الثنائية في منطقة القرن الإفريقي، لتضرب في عمق الفلسفة التي قامت عليها منظمة الاتحاد الإفريقي؛ حيث تضع سلوكيات إثيوبيا الإقليمية مصداقية البيت الإفريقي على محك اختبار حقيقي. ولم يعد النقاش يدور حول تبادل الاتهامات الدبلوماسية المعتادة، بل امتد ليتصل بمدى أهلية العاصمة أديس أبابا للاستمرار في احتضان مقر التجمع القاري الأبرز، في وقت تواجه فيه الحكومة الإثيوبية اتهامات متزايدة بالتدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار، وإيواء جماعات تقوض الأمن الاستقرائي، والسماح باستخدام مطاراتها وأراضيها لشن هجمات عسكرية تستهدف البنى التحتية للمحيط الإقليمي.
▪️ تصاعد الاتهامات
تتجه الأنظار نحو الخرطوم التي رفعت من وتيرة تحركاتها الدبلوماسية لمواجهة ما وصفته بخرق إثيوبيا الفاضح لمبادئ حسن الجوار وميثاق الاتحاد الإفريقي. وفي هذا السياق، أكد وزير الثقافة والإعلام السوداني خالد الإعيسر أن الدولة المضيفة للمقر القاري باتت ملجأ للمرتزقة والعصابات المسلحة، مشيراً إلى استخدام الطائرات المسيّرة عبر أراضيها لاستهداف المنشآت الحيوية السودانية ومحطات الخدمات الأساسية. وتتطابق هذه التصريحات مع الشكوى الرسمية التي تقدمت بها الخارجية السودانية لمجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الإفريقي، مدعومة بأدلة ومستندات تثبت التورط الإثيوبي وتضع المنظومة الإفريقية أمام مسؤولياتها الأخلاقية.
▪️ مواجهة دبلوماسية
ولم تتوقف الأزمة عند حدود الاتهامات والشكاوى القانونية، بل تحولت إلى مواجهة دبلوماسية مباشرة تجلت في إغلاق السلطات الإثيوبية للقنصلية السودانية بمدينة أصوصا وإمهال بعثتها وقتاً قصيراً للمغادرة. وتأتي هذه التطورات لتؤكد عمق الفجوة، حيث يرى مراقبون أن لجوء أديس أبابا للتصعيد بدلاً من فتح تحقيقات شفافة يعزز من اتهامات الخرطوم ويضاعف حالة الارتياب الإقليمي، كما ينقل الخلاف من خانة التوتر الساخن إلى قطيعة مؤسسية تضر بالعمل الإفريقي المشترك.
▪️ مطالبات بالنقل
تصاعدت الدعوات النيابية والإعلامية التي تنادي بضرورة التحرك العاجل لنقل مقر الاتحاد الإفريقي إلى دولة أخرى تحترم المواثيق القارية وقواعد التعايش السلمي. ويرى الصحفي مؤسي داؤود أن بقاء المقر في أديس أبابا لا ينبغي أن يُعامل كحق تاريخي مكتسب منذ تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963، بل هو مسؤولية سياسية وأخلاقية تتطلب التزام الدولة المضيفة بحماية الأمن الإقليمي، وفي حال الإخلال بهذا الالتزام، فإن المراجعة المؤسسية لنقل مقر المنظمة تصبح واجباً وطنياً وقارياً.
▪️ مواقف عسكرية
من جانبه، طرح الخبير العسكري الدكتور معاوية علي عوض الله تساؤلات جوهرية تتصل بمدى ملاءمة استضافة أديس أبابا لمنظمة تُعنى بمنع النزاعات ورعايتها للسلام، بينما ينتهج نظام آبي أحمد سياسات عدائية تؤدي إلى تقويض الأمن والاستقرار لدى جيرانه. ويؤكد عوض الله أن استضافة الاتحاد الإفريقي ليست مجرد توفير مبانٍ إدارية، وإنما تتطلب توافراً كاملاً لبيئة سياسية وأخلاقية تحمي تطلعات ومصالح كافة الشعوب الإفريقية دون انحياز أو استغلال لمميزات المقر.
▪️ توترات أسمرا
ويتسع نطاق الأزمة الإقليمية ليشمل التوترات الإثيوبية الإريترية التي اشتعلت مجدداً عقب الخطاب السياسي المتصاعد لأديس أبابا بشأن المنفذ البحري والوصول إلى البحر الأحمر. وقد دفعت هذه الخطوات الاتحاد الإفريقي في أكتوبر 2026 للإعراب عن قلقه البالغ وتوجيه دعوات ضبط النفس؛ غير أن التصعيد أدى بالفعل لإغلاق السفارة الإثيوبية في أسمرا وطرد الدبلوماسيين، مما يضع الدولة الاستضافية في قلب صراعات ممتدة تهدد أمن الإقليم بأسره.
▪️ أزمة مقديشو
ولم تكن الأزمة مع الصومال أقل خطورة، إذ أدت مذكرة التفاهم الموقعة بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» في يناير 2024 إلى غضب عارم في مقديشو التي اعتبرت الخطوة مساساً مستقيماً بسيادتها ووحدة أراضيها. وعلى الرغم من تأكيد الاتحاد الإفريقي الصارم على رفضه الاستماتة في المساس بحدود الدول الموروثة وتأكيده على سيادة الصومال، إلا أن الإجراءات الإثيوبية أظهرت تنكراً كبيراً للمبادئ التأسيسية التي تُبنى عليها سياسات الاستقرار الإقليمي في القارة.
▪️ عقبات قانونية
وعلى الرغم من الوجاهة السياسية للمطالب الداعية لنقل المقر، تبرز عقبات إجرائية تفرضها المادة 24 من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، والتي تحدد أديس أبابا مقراً رسمياً بموجب الاتفاقيات المبرمة عام 2008. ويتطلب تعديل هذا الوضع مساراً قانونياً معقداً وتوافقاً بين الدول الأعضاء؛ غير أن فتح هذا الملف يبعث برسالة قوية حول ضرورة وضع ضمانات تحول دون استخدام المقر كأداة للضغط أو الابتزاز السياسي.
▪️ خيارات المقر
وفي حال اتخاذ القارة قراراً تاريخياً بإعادة توطين منظمتها الرائدة، تتجه التوقعات نحو دول تتمتع باستقرار سياسي وبنية تحتية متطورة وحياد دبلوماسي، مثل رواندا، والسنغال، وغانا، وكينيا، وجنوب إفريقيا. ولا يهدف هذا الطرح إلى معاقبة طرف بعينه، بل إلى التأكيد على أن البيت الإفريقي ملك لجميع شعوب القارة، وأن احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها يعلو على أي اعتبار تاريخي أو جغرافي مجرد.







