همس البوادي :ديوان لزكاة شمال كردفان 8 مليارات جنيه تفتح أبواب الأمل وتضع كرامة الإنسان في صدارة معركة التعافي
أخباركم نيوز

همس البوادي :ديوان لزكاة شمال كردفان 8 مليارات جنيه تفتح أبواب الأمل وتضع كرامة الإنسان في صدارة معركة التعافي
سعاد سلامة
حين تضيق سبل العيش وتثقل الحرب كاهل الأسر وتصبح لقمة الخبز هما يوميا يطارد آلاف المواطنين لا يعود العمل الإنساني مجرد واجب مؤسسي تؤديه الجهات المختصة بل يتحول إلى مسؤولية أخلاقية ووطنية تكشف حقيقة الدور الذي تضطلع به مؤسسات التكافل الاجتماعي في حماية الإنسان وصون كرامته ومن هنا تأتي نفرة ديوان الزكاة بولاية شمال كردفان في وثبتها الثانية بتكلفة بلغت ثمانية مليارات جنيه لتضع العمل الزكوي أمام اختبار حقيقي عنوانه الوصول إلى المستحقين وتخفيف المعاناة وتحويل أموال الزكاة إلى أثر ملموس في حياة الناس
إن الزكاة في جوهر رسالتها ليست مجرد أموال تُجمع ثم تُوزع ولا سلال غذائية تُقدم في مواسم الحاجة وإنما منظومة متكاملة للتراحم والتكافل وإعادة التوازن إلى المجتمع وحماية الفئات التي دفعتها ظروف الحرب والنزوح والفقر إلى حافة العجز عن توفير أبسط مقومات الحياة ولذلك فإن قيمة نفرة شمال كردفان لا تُقاس بحجم المبلغ المعلن وحده وإنما بما يمكن أن تصنعه هذه الموارد من تغيير حقيقي في حياة المستفيدين وبقدرتها على الانتقال بالأسر من دائرة الاحتياج إلى رحاب الاستقرار والإنتاج
ثمانية مليارات جنيه رقم يحمل مسؤولية كبيرة بقدر ما يحمل من آمال خاصة أن النفرة تستهدف أكثر من 28 ألف مستفيد عبر برامج متعددة تشمل السلال الغذائية ودعم أسر الشهداء وجرحى العمليات ومصابيها ومساندة التعليم بالتغذية المدرسية والحقائب والمساهمة في توفير التأمين الصحي للأسر الفقيرة إلى جانب مشروعات المياه وتأهيل مستشفى الرهد ودعم خلاوي القرآن الكريم ومشروعات المرأة المنتجة
هذه التدخلات بتنوعها تضع ديوان الزكاة أمام مهمة تتجاوز الاستجابة العاجلة إلى معالجة آثار الحرب الاجتماعية والاقتصادية فالجوع لا ينتظر اكتمال الخطط والمريض لا يستطيع تأجيل حاجته إلى العلاج والطفل الذي انقطعت عنه أسباب التعليم يحتاج إلى من يعيد إليه فرصة مواصلة دراسته والأسرة التي فقدت عائلها تحتاج إلى سند يحفظ كرامتها ويعينها على مواجهة أعباء الحياة
ومن هنا فإن الرهان الحقيقي على نفرة الغرة الثانية يتمثل في إحكام توجيه الموارد إلى مستحقيها وضمان وصول الدعم إلى الفئات الأكثر هشاشة ومتابعة أثر المشروعات بعد تدشينها فنجاح العمل الزكوي لا يُقاس بعدد الفعاليات التي تُقام أو حجم الأموال التي يُعلن عنها وإنما بعدد الأسر التي استقرت أحوالها والأطفال الذين استعادوا فرصتهم في التعليم والمرضى الذين وجدوا العلاج والمنتجين الذين امتلكوا أدوات تعينهم على كسب العيش
ولعل أبرز ما يستحق الوقوف عنده في هذه النفرة هو الاهتمام بمشروعات المرأة المنتجة باعتبارها مدخلا مهما لتعزيز قدرة الأسر على مواجهة الفقر فالمرأة التي تحصل على وسيلة إنتاج وفرصة عمل لا تعين نفسها فحسب بل تسهم في إعالة أسرتها وتدعم اقتصاد مجتمعها وتفتح أمام أبنائها أبوابا أوسع للاستقرار وهنا تتجلى القيمة التنموية للزكاة حين تتحول من مساعدة آنية إلى مشروع منتج ومن عطاء محدود الأثر إلى مصدر دخل يمكن أن يستمر ويتوسع
إن مساندة الأسر الفقيرة لا تعني الاكتفاء بتوفير احتياجاتها اليومية بل تقتضي أيضا البحث عن السبل التي تمكنها من الاعتماد على نفسها وفق برامج مدروسة تراعي ظروف المستفيدين وطبيعة الأنشطة الاقتصادية المتاحة فالسلة الغذائية تسد حاجة عاجلة لكن توفير أدوات الإنتاج والتدريب والتمويل المناسب يفتح الطريق أمام دخل مستدام ويمنح الأسرة فرصة حقيقية للخروج من دائرة الفقر
وفي قطاع التعليم تكتسب تدخلات الزكاة أهمية مضاعفة في ظل الظروف التي فرضتها الحرب على الأسر والطلاب فدعم التغذية المدرسية وتوفير الحقائب ليسا مجرد مساعدات عابرة بل إسهام في حماية حق الطفل في التعليم والحد من الأعباء التي قد تدفع بعض الأسر إلى حرمان أبنائها من مواصلة الدراسة أما دعم المؤسسات الصحية ومشروعات المياه فيمثل استثمارا مباشرا في صحة المجتمع وقدرته على استعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة
ويأتي إعلان وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية الدكتور معتصم محمد صالح عن دعم الولاية بثلاثين ألف جوال من الذرة إلى جانب تخصيص أربعة آلاف جوال لخلاوي القرآن الكريم ليعزز أهمية التنسيق بين مؤسسات الدولة في مواجهة الاحتياجات الغذائية والاجتماعية غير أن أهمية هذه التدخلات تظل مرتبطة بآليات التوزيع وكفاءة التنفيذ ومدى وصول الدعم إلى المواطنين الذين يحتاجونه بالفعل خصوصا الأسر النازحة والأكثر تضررا من الحرب
وفي شمال كردفان حيث تحملت مدينة الأبيض ومحليات الولاية أعباء النزوح وتداعيات الحصار وتضرر الخدمات يصبح العمل الزكوي جزءا من معركة أوسع لاستعادة الحياة فالمواطن الذي صمد في وجه الظروف القاسية يحتاج اليوم إلى ما هو أبعد من الإشادة بصموده يحتاج إلى خدمات مستقرة وفرص عمل ورعاية صحية وتعليم متاح ومساندة اجتماعية تصل إليه في الوقت المناسب
وهنا تبرز أهمية تأهيل مكاتب الزكاة في محليات الولاية وهو ما أشار إليه الأمين العام لديوان الزكاة الاتحادي الدكتور يحيى عبد الله قموري باعتباره خطوة تساعد على تقريب الخدمات من المواطنين وتسهيل الوصول إلى الشرائح المستهدفة فوجود الديوان وسط المجتمعات يمنحه قدرة أكبر على معرفة الاحتياجات الفعلية وتحديد الأولويات ومتابعة وصول الدعم بدلا من الاعتماد على تدخلات مركزية قد لا تعكس دائما الفروق بين احتياجات المحليات وظروف سكانها
كما أن الاهتمام بأسر الشهداء وجرحى العمليات ومصابيها يمثل جانبا مهما من المسؤولية الاجتماعية لكنه يتطلب برامج مستمرة تحفظ لهذه الأسر استقرارها وتعينها على مواجهة المستقبل لا مساعدات مرتبطة بالمناسبات وحدها فالوفاء لهذه الفئات لا يتحقق بالشعارات وإنما بسياسات رعاية واضحة ومشروعات إنتاجية مناسبة ومتابعة جادة تضمن عدم تركها وحدها في مواجهة أعباء الحياة
إن نفرة الغرة الثانية تفتح نافذة مهمة للعمل لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة مشروعة أمام الرأي العام كيف ستُوزع الموارد وما الضمانات التي تكفل وصولها إلى مستحقيها وكيف ستُقاس نتائج المشروعات بعد التنفيذ وما الآليات التي تضمن استدامة دعم الأسر المنتجة وعدم توقفه عند حدود التدشين
هذه الأسئلة ليست تشكيكا في الجهود وإنما هي جزء من حق المجتمع في معرفة أثر أمواله وموارده ومن متطلبات الحوكمة الرشيدة التي تعزز الثقة في المؤسسات وتدعم كفاءة العمل الإنساني فالشفافية في تحديد المستفيدين والإعلان عن نتائج التنفيذ ومتابعة المشروعات ميدانيا كلها عناصر تجعل العطاء أكثر فاعلية وتحفظ للزكاة مكانتها بوصفها أداة للتكافل والعدالة الاجتماعية
ولأن شمال كردفان لا تحتاج إلى حلول إسعافية وحدها فإن المرحلة المقبلة تتطلب ربط تدخلات الزكاة بخطط التعافي وإعادة الإعمار وتعزيز الشراكة مع التأمين الصحي والجهات المعنية بالتعليم والمياه والرعاية الاجتماعية حتى تتكامل الجهود وتتحول المساعدات المتفرقة إلى برامج ذات أثر مستدام
إن ثمانية مليارات جنيه ليست نهاية الحكاية بل بداية مسؤولية ينبغي أن تُترجم إلى نتائج يلمسها المواطن في بيته ومدرسته ومركزه الصحي ومصدر رزقه فحين تصل الزكاة إلى مستحقيها وتتحول مواردها إلى غذاء ودواء وتعليم وفرص إنتاج فإنها لا تسد حاجة فرد فحسب بل تسهم في حماية المجتمع من التفكك وتمنح الأسر المتضررة فرصة لاستعادة قدرتها على الوقوف من جديد
وتبقى الرسالة الأهم أن نجاح ديوان الزكاة في شمال كردفان لن تصنعه الأرقام المعلنة وحدها وإنما تصنعه الأمانة في إدارة الموارد والعدالة في توزيعها والسرعة في إيصالها والقدرة على تحويلها إلى حياة أفضل للمواطنين
*فاصلة*
فالزكاة حين تؤدي رسالتها كاملة لا تكتفي بإطعام الجائع بل تعمل على ألا يبقى أسيرا للجوع ولا تكتفي بمواساة الفقير بل تفتح أمامه طريق الإنتاج والكفاية وتلك هي المعركة الحقيقية التي ينبغي أن تنتصر فيها نفرة الغرة الثانية أن تصل الأموال إلى أصحاب الحاجة وأن يتحول العطاء إلى كرامة والتكافل إلى قوة والأمل إلى واقع يعيشه إنسان شمال كردفان
اللهم أمنا في أوطاننا







