المليشيا المتمردة في النهود: نهب الاقتصاد واستباحة النساء في قلب قطاع الصمغ العربي
أخباركم نيوز

المليشيا المتمردة في النهود: نهب الاقتصاد واستباحة النساء في قلب قطاع الصمغ العربي
تقرير /صلاح أحمد علي
لم تعد مدينة النهود في ولاية غرب كردفان مجرد مركز تقليدي لإنتاج وتجارة الصمغ العربي، بل تحولت، منذ سيطرة مليشيا الدعم السريع عليها في مايو 2025، إلى نموذج صارخ لانهيار الاقتصاد المحلي تحت وطأة العنف المنظم. فهذه المدينة التي كانت تمثل أحد أعمدة الإمداد العالمي لصمغ “الهشاب”، تعيش اليوم واقعاً مختلفاً، تتداخل فيه ممارسات النهب مع سياسات الإفقار، في مشهد يعكس انتقال الحرب من ساحات القتال إلى تفاصيل الحياة اليومية للمدنيين.
اقتصاد تحت الإكراه
تشير المعطيات الميدانية إلى أن قطاع الصمغ العربي في النهود تعرض لضربة قاصمة نتيجة ممارسات ممنهجة، شملت نهب كميات ضخمة من الإنتاج من مخازن التجار، وتفكيك منظومة السوق المحلي، وإحلال شبكات مرتبطة باقتصاد الحرب محل الفاعلين التقليديين. هذا التحول لم يقتصر على خسائر مباشرة، بل أدى إلى إعادة تشكيل قسرية لدورة الإنتاج والتوزيع، حيث أصبح المنتجون يعملون في بيئة تفتقر لأدنى شروط الأمان الاقتصادي.
الأرقام تعكس حجم الكارثة؛ إذ تراجعت كميات الصادرات بشكل حاد، وانخفضت الأسعار إلى مستويات لا تغطي كلفة الإنتاج، في ظل سيطرة مسارات تهريب غير مشروعة. وبذلك لم يعد الصمغ العربي مورداً داعماً للاقتصاد، بل أصبح أحد ضحايا الحرب، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على صناعات عالمية تعتمد عليه كمكون أساسي.
النساء في واجهة الاستهداف
في قلب هذا الانهيار، تقف النساء الريفيات كأكثر الفئات تضرراً. فبدلاً من أن يكنّ عماد الإنتاج في (جناين الهشاب) ، أصبحن عرضة لانتهاكات متكررة أثناء عملهن، شملت الاعتداءات والابتزاز المالي، ما جعل الوصول إلى مناطق الإنتاج مخاطرة يومية.
ولم يتوقف الأمر عند حدود التضييق على العمل، بل امتد إلى تدمير مصادر الدخل نفسها، عبر حرق المحاصيل المخزنة في عدد من القرى، الأمر الذي أفقد مئات الأسر موردها الوحيد.. هذا النمط من السلوك لا يمكن قراءته كحوادث معزولة، بل كمؤشر على استهداف مباشر لاقتصاد الأسر الريفية، واستخدام الفئات الأضعف وفي مقدمتها النساء كأداة للضغط والسيطرة.
تداعيات تتجاوز المحلي وتفرض سؤال المساءلة الدولية
ما يحدث في النهود لم يعد شأناً محلياً، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد القومي، بل وحتى إلى سلاسل الإمداد العالمية للصمغ العربي. ومع استمرار التدهور، برزت مؤشرات مقلقة على تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، من بينها هجرة العمالة الشابة، وتزايد الاعتماد على النساء والأطفال في ظروف عمل قاسية، إلى جانب مخاطر بيئية متصاعدة تهدد استدامة الحزام الإنتاجي نفسه.
لكن الأخطر من ذلك، أن نمط الانتهاكات الموثق—من نهب منظم، وتدمير متعمد لمصادر العيش، واستهداف مباشر للنساء، لم يعد قابلاً للتوصيف كأثر جانبي للنزاع، بل يعكس سلوكاً ممنهجاً يرقى إلى استخدام الاقتصاد كسلاح، وتجريد المجتمعات المحلية من قدرتها على البقاء.
خاتمة
في ضوء هذه الوقائع، تتصاعد الحاجة إلى موقف دولي أكثر وضوحاً وحسماً، لا يكتفي بالإدانة العامة، بل يتجه نحو توصيف قانوني يعكس خطورة ما يجري. فاستهداف المدنيين، وانتهاك حرمة النساء، وتقويض مورد استراتيجي يرتبط بأسواق عالمية، كلها مؤشرات تضع هذه الممارسات في دائرة الأفعال التي تستوجب تصنيفاً دولياً صارماً، بما في ذلك إدراج المليشيا المتمردة ضمن قوائم التنظيمات الإرهابية.
إن استمرار الصمت أو الاكتفاء بردود الفعل المحدودة لا يعني سوى منح غطاء غير مباشر لمزيد من الانتهاكات. أما التحرك الجاد عبر آليات المساءلة والتصنيف والعقوبات فهو الخطوة الأولى نحو وقف هذا النزيف، واستعادة الحد الأدنى من الحماية للمدنيين، ولأحد أهم الموارد التي لا يخص السودان وحده، بل يشكل جزءاً من الأمن الاقتصادي العالمي.







