
الخرطوم تعانق مقرن النيل ويرقص نيلها الأعظم طربًا وهو منساب.
بقلم ✍🏻احمد الدرديري.
عند النقطة التي يلتقي فيها النيلان، وفي قلب قارةٍ تتقاطع فيها الهموم والآمال، تعانق الخرطوم مقرن النيل في مشهد تكتمل فيه أركان الجمال وتتشكل فيه ملامح التاريخ. ليست مياه النيل وحدها ما ينساب، بل هو وجدان مدينةٍ عصيةٍ على الانكسار، عصفت بها المحن، لكنها نهضت، وانتفضت، واستعادت شموخها.
الخرطوم، تلك المدينة الوادعة التي احتضنت النيل، والمسجد الكبير، وجامعة الخرطوم، وحدائق القصر الجمهوري، وسارية العلم التي ما زالت ترفرف بالفخر، عادت لتلبس ثوب الحياة من جديد، بعد أن عاثت مليشيات الدعم السريع فيها خرابًا وتدميرًا. احتلت الأحياء، دمرت البنية، وعكرت صفو النيل، لكنها لم تقتل في الإنسان السوداني عزيمته، ولا في الأرض بركتها.
وحين ظن المتربصون أن الخرطوم قد انهارت، انبعث منها صوت الوطن. انتفض الجيش السوداني الباسل، وأعاد للمدينة أمنها وكرامتها، مطهرًا شوارعها شارعًا شارعًا، وبيتًا بيتًا، من فلول المليشيا العابثة، التي كانت تقاتل بلا قضية وتدمر بلا وازع. أعاد الجيش هيبة الدولة، ووقف كالسد المنيع دفاعًا عن تراب الوطن.
لم يكن الانتصار عسكريًا فقط، بل كان شعبًا يمسك على الجمر، يصبر على الخوف والجوع والحصار، ويواصل الحياة بإيمان لا يتزعزع. نساء يخبزن في الصباح رغم صوت الرصاص، وأطفال يركضون خلف أحلام صغيرة، ورجال يعيدون ترميم ما تهدّم، بأمل لا ينكسر.
وفي الأحياء العريقة، كبرى، والعمارات، والخرطوم بحري، تعود نبضات الحياة شيئًا فشيئًا. تفتح المدارس أبوابها من جديد، وتعود الأسواق لنشاطها، وتتنفس المدينة بعمق بعد خنقتها الحرائق والدخان.
الخرطوم اليوم ليست فقط حاضرة النيل، بل حاضرة الانتصار. النيل يرقص طربًا لا لجمال المقرن فقط، بل لصمود شعبٍ قاوم الهزيمة وواجه الموت وخرج منه أكثر نقاءً وشموخًا. ومن مقرن النيل، ينبع وعد جديد: أن هذه الأرض لا تُكسر، وأن هذا الشعب لا يُقهر، وأن الخرطوم، رغم الألم، ستبقى عاصمة لكل من يؤمن بالحرية والسلام والكرامة.
الصالحة تتحرر… والخرطوم تنبض بالأمل من جديد بقلم ✍🏻 احمد الدرديري







