من معايدة الأمة القومي بالقاهرة إلى مساءلة الغياب الوطني بقلم/ د. حسين عمر عثمان – وجهة نظر
أخباركم نيوز

من معايدة الأمة القومي بالقاهرة إلى مساءلة الغياب الوطني
بقلم/ د. حسين عمر عثمان – وجهة نظر
أخباركم نيوز
في اليوم الثاني من عيد الفطر المبارك، شهدت دار حزب الأمة القومي بالقاهرة لقاءً سياسياً حمل في ظاهره طابع المعايدة، غير أنه في جوهره تجاوز حدود المناسبة ليعكس حالة أعمق تتصل بموقع الحزب ودوره في لحظة وطنية حرجة. فقد جمع اللقاء قيادات من الحزب إلى جانب قوى وطنية أخرى، في مشهد يوحي باستمرار الحضور الرمزي، لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً هل يكفي الحضور الشكلي في زمن تتطلب فيه الأوطان أدواراً فاعلة ومواقف وطنية؟ إن اللحظات المفصلية في تاريخ الأمم لا تُقاس فيها قيمة القوى السياسية بوجودها في المشهد، بل بقدرتها على الفعل، وعلى إنتاج الحلول، وعلى الإسهام في توجيه مسار الدولة حين تتكاثر عليها الأزمات وتتقاطع حولها المخاطر. ومن هذا المنطلق، فإن غياب حزب الأمة ، بما يحمله من ثقل تاريخي في الوعي السياسي والدور الوطني، لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد حالة تنظيمية عابرة، بل هو في حقيقته خسارة وطنية تتجاوز حدود الحزب إلى عمق المجال العام.لقد ظل حزب الأمة، منذ نشأته، أحد الأعمدة التي ارتكزت عليها التجربة السياسية السودانية الحديثة، فكان شريكاً في الاستقلال، وحاضراً في الدفاع عن الديمقراطية، ومسهماً في تشكيل الوعي الوطني . غير أن التحولات التي أعقبت رحيل الإمام الصادق المهدي، بما مثله من مرجعية جامعة وحكمة ومظلة توفيقية، كشفت عن هشاشة كامنة في بنية التوافق الداخلي، سرعان ما تفاقمت مع اندلاع الحرب، لتتحول إلى تباينات في المواقف، وتعدد في المسارات، وانقسام في تموضعات القيادات بين تحالفات ورؤى متباينة، الأمر الذي أفضى إلى حالة من الشلل النسبي، وغياب صوت موحد يعبر عن الحزب في لحظة كانت البلاد أحوج ما تكون فيها إلى وضوح الرؤية ووحدة الاتجاه.غير أن قراءة هذه الحالة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الوصف الظاهري، لأن ما يبدو على السطح بوصفه خلافاً سياسياً طبيعياً داخل كيان ديمقراطي، يخفي في عمقه صراعاً على تعريف الدور، وعلى إعادة ترتيب مواقع النفوذ، وعلى تحديد موقع الحزب في معادلة القوة الراهنة والتحولات الداخلية والخارجية. فالسرديات التي تُقدَّم لتفسير هذا الواقع، سواء تلك التي تقلل من شأن الخلاف أو تلك التي تضخمه، ليست سوى محاولات لإعادة تشكيل معنى الحدث، لا مجرد تفسيره. وهنا تتجلى إحدى الحقائق الفلسفية في السياسة أن الصراع لا يكون دائماً على الوقائع، بل على تفسيرها وعلى ما يُراد لها أن تعنيه في وعي الناس.وعند الانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى المصالح، تتضح الصورة بدرجة أكبر، إذ لا تنفصل التباينات داخل الحزب، حيث تتقاطع فيها حسابات الاندماج في تحالفات مدنية مع رهانات الاقتراب من مراكز القوة، في مقابل اتجاه آخر يسعى للحفاظ على استقلالية الحزب وهويته التاريخية. وبذلك، فإن الأزمة لا تتعلق فقط بتعدد الاجتهادات، بل تعكس في جوهرها عملية إعادة توزيع للنفوذ داخل الحزب وخارجه، في وضع سياسي مضطرب لا يسمح بالحياد ولا يترك مساحة واسعة للمواقف الرمادية. غير أن الأخطر من ذلك كله يكمن في الافتراضات الضمنية التي تحكم طريقة التعامل مع الأزمة، وهي افتراضات تبدو في ظاهرها بديهية، لكنها في حقيقتها محل تساؤل عميق. من ذلك الاعتقاد بأن الزمن كفيل بتجاوز الخلافات، أو أن تعدد المواقف يمكن أن يستمر دون أن ينعكس على صورة الحزب ودوره السياسي، أو أن غياب الفعل المنظم لا يفضي بالضرورة إلى فقدان التأثير. وهي افتراضات، إذا ما خضعت لمجهر التفكير النقدي، تكشف عن قدر من السذاجة السياسية، لأن الواقع السوداني في هذه المرحلة لا يسمح بالانتظار، ولا يحتمل فراغاً تملؤه قوى أقل خبرة أو أقل التزاماً بالمشروع الوطني.ومن هنا، فإن التقييم الحقيقي لهذه الحالة لا ينبغي أن يُختزل في بعدها التنظيمي، بل يجب أن يُنظر إليها من زاوية أخلاقية واستراتيجية في آن واحد. أخلاقياً، لا يمكن تبرير غياب حزب بحجم وتأثير حزب الأمة القومي عن لحظة وطنية بهذا القدر من الحساسية، لأن ذلك يعني، بصورة أو بأخرى، تراجعاً عن مسؤولية تاريخية تجاه شعب ودولة يمران بامتحان وجودي. واستراتيجياً، فإن استمرار هذا الغياب يفضي إلى تعميق الفراغ السياسي، وإضعاف فرص بناء مشروع وطني متماسك ليجاوز الازمة، وترك الساحة مفتوحة أمام فاعلين قد يفتقرون إلى الخبرة أو الرؤية أو القدرة على إدارة التعقيد.إن جوهر القضية، في النهاية، لا يكمن في وجود الخلاف داخل الحزب، فذلك أمر طبيعي في أي كيان سياسي، بل في كيفية إدارة هذا الخلاف، وفي القدرة على تحويله من عامل تفكك إلى مصدر قوة. فالأحزاب الكبرى لا تُقاس بغياب الاختلاف داخلها، بل بقدرتها على استيعابه ضمن إطار مؤسسي يحافظ على وحدتها ويعزز دورها. وهنا يبرز التحدي الحقيقي الذي يواجه حزب الأمة القومي اليوم إما أن يعيد إنتاج ذاته كفاعل وطني قادر على قراءة اللحظة التاريخية والتأثير فيها، أو أن ينزلق تدريجياً إلى هامش المشهد في وقت لا يحتمل الغياب. إن الوطن يمر بواحدة من أعقد مراحله، ولا يحتاج فقط إلى قوى جديدة، بل إلى قواه التاريخية حين تستعيد وعيها بذاتها، وتدرك أن المعركة لم تعد على السلطة فحسب، بل على بقاء الدولة نفسها. إن ما يحتاجه حزب الأمة القومي في هذه اللحظة ليس مجرد استعادة حضوره، بل استعادة فاعليته السياسية باعتباره أحد الأعمدة التاريخية. فالمطلوب اليوم يتجاوز إدارة الخلافات إلى إعادة بناء وحدة الموقف، وتفعيل المؤسسات، وصياغة رؤية وطنية واضحة تجاه الحرب ومستقبل الدولة والوحدة الوطنية.إن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الإجماع داخل الحزب، بل في غياب الإطار المؤسسي القادر على تحويل التباين إلى قوة، وعلى ضبط الاختلاف ضمن مشروع سياسي جامع. ومن ثم، فإن الأولوية يجب أن تنصرف إلى إطلاق حوار داخلي مسؤول يعيد ترتيب الأولويات على أساس المصلحة الوطنية. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى حضور شكلي للأحزاب، بل إلى قوى سياسية واعية قادرة على المبادرة، وعلى ملء الفراغ، وعلى الإسهام في وقف الحرب وبناء السلام. لذا، فإن عودة حزب الأمة القومي إلى موقع الفعل ليست خياراً تنظيمياً، بل ضرورة وطنية، لأن استمرار الغياب لا يخص الحزب وحده، بل ينعكس مباشرة على المشهد السياسي ومستقبل البلاد.
عندما يُذبح الوطن بأيدي أبنائه بقلم د. حسين عمر عثمان – وجهة نظر







