التقارير والحوارات

من الأطماع إلى الورطة- السُم الإماراتي في السودان والمنطقة

أخباركم نيوز

من الأطماع إلى الورطة- السُم الإماراتي في السودان والمنطقة.
تقرير /إسماعيل محمود
لم يعد الدور الذي تلعبه دويلة الإمارات في العالمين العربي والأفريقي يُقرأ ضمن الأطر التقليدية للعلاقات بين الدول،.. فلقد بات يُنظر إليه بوصفه نموذجا لنفوذ (مركّب) شديد( السُمّيّة) ، تتداخل فيه الأدوات السياسية والأمنية والاقتصادية، في بيئات شديدة الهشاشة منها السودان.

منذ التحولات في المنطقة العربية والتي أعقبت عام 2011، تبنّت دويلة الإمارات سياسة خارجية أكثر اندفاعا وطموحا مريضا.. سعت من خلالها إلى إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية. وبينما رفعت شعارات محاربة التطرف وتعزيز الاستقرار، برزت على الأرض أنماط تدخل أثارت جدلًا واسعا، خاصة ما يتصل بدعم أطراف بعينها داخل نزاعات داخلية، وهو ما انعكس بوضوح في عدد من الملفات العربية والأفريقية.

في السودان تتخذ هذه السياسات طابعا أكثر حساسية.. فمنذ اندلاع الحرب منتصف أبريل 2023 التي فرضتها المليشيا المتمردة بدعم امارتي تحوّل البلد إلى ساحة صراع إقليمي تتقاطع فيه الإرادات والمصالح.

وفي هذا السياق، يظهر جليا الدعم الإماراتي للمليشيا المتمردة ، سواء عبر التمويل أو الإسناد اللوجستي، في وقت كانت فيه الدولة تواجه تهديدا وجوديا، لا سيما في إقليم دارفور وكردفان الذين شهدا انتهاكات واسعة النطاق علاوة على الانتهاكات التي ارتكبتها المليشيا المتمردة في الخرطوم والجزيرة وغيرها من المناطق

وتذهب قراءات سياسية وإعلامية إلى أن هذا الدعم لا يمكن فصله عن محاولة فرض واقع موازٍ داخل الدولة السودانية، عبر تعزيز تشكيلات مسلحة خارج إطار المؤسسات العسكرية الرسمية، بما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل بنية الدولة وفق توازنات تخدم أجندات خارجية. وهو مسار يراه مراقبون امتدادا لأدوار سلبية لعبتها أبوظبي في عدد من بؤر التوتر العربية والأفريقية، حيث أسهمت وفق هذه القراءات في تعقيد النزاعات والحروب.

ولم تبقَ هذه الاتهامات ضمن حدود التداول الإعلامي حيث انتقلت إلى ساحات القانون الدولي بعد أن لجأت الحكومة السودانية إلى مقاضاة أبوظبي بتهم تتعلق بالتسبب في انتهاكات وقتل وابادة الآلاف من الشعب السوداني وذلك بدعمها لا للمليشيا المتمردة بالمال والسلاح والمرتزقة.. فإن إنتقال هذه القضايا إلى هذا المستوى يعكس مسارات فضح ما أقدمت عليه دويلة الإمارات وورطتها التي غرقت فيها إلى أبعد حد.

إقليمياً لم تعد العلاقة بين المملكة العربية السعودية ودويلة الإمارات على وتيرتها السابقة.. إذ كشفت ملفاتٌ مثل اليمن والسودان عن تباينات في الرؤى الاستراتيجية. ففي حين تميل الرياض إلى دعم مؤسسات الدولة، تُتهم أبوظبي بالانخراط في دعم المليشيا المتمردة وأعوانها.. ما أفرز حالة تنافس غير معلن على النفوذ في المنطقة.

كما لا يمكن فصل هذا المشهد عن التحولات الكبرى في السياسة الإقليمية، وعلى رأسها اتفاقيات (التطبيع) مع إسرائيل، والتي أعادت رسم موقع الإمارات داخل شبكة التحالفات الدولية، لكنها في المقابل أثارت تساؤلات حول انعكاسات هذا التموضع الجديد على القضايا العربية

وفي خضم هذا الجدل، يبرز أيضًا تناول بعض الملفات الحساسة عالميا، مثل قضية جيفري إبستين والتي ورغم ارتباطها بشبكات علاقات دولية معقدة ذات صلات مباشرة موثقة بينها وبين أطراف إماراتية…وهو ما يمكن قراءته بسؤال
هل دخلت أبوظبي مرحلة “الورطة المفتوحة؟

الخبير الاستراتيجي( عمر عثمان النصري)
يرى أن ما قامت به الإمارات خلال السنوات الأخيرة يعكس انتقالًا من دبلوماسية التأثير إلى سياسة الانخراط العميق في الصراعات والحروبات وهو تحول لم تُحسب كلفته بدقة.
ويشير( النصري) إلى أن أبوظبي، عبر انخراطها في ملفات معقدة مثل السودان، قد تكون وضعت نفسها في موقع بالغ الحساسية، أقرب إلى (عنق الزجاجة) الاستراتيجي، حيث تتقاطع الضغوط السياسية والقانونية والشعبية، ما يجعل الخروج من هذا الوضع أمرًا بالغ الصعوبة.

ويضيف أن دعم أبو ظبي لصناعة الدمار وتدمير الشعوب الآمنة وتصعيد نزاعات داخلية يحمل مخاطر طويلة المدى ليس فقط على استقرار الدول المستهدفة، بل أيضا على صورة الدولة الداعمة نفسها، التي قد تجد نفسها في مواجهة ما يمكن وصفه بـتآكل الرصيد السياسي والأخلاقي على مستوى الشعوب وهو ما بات حقيقة ماثلة.

كما يحذر من أن تراكم هذه السياسات وضع الإمارات أمام ما يشبه (الورطة التاريخية) حيث تتحول المكاسب التكتيكية قصيرة المدى إلى أعباء استراتيجية ممتدة خاصة في بيئة إقليمية سريعة التحول، وشديدة الحساسية تجاه التدخلات الخارجية.
ويختم النصري تحليله بالإشارة إلى أن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط تعقيد الملفات بل اتساع فجوة الثقة بين الشعوب العربية وبعض السياسات الإقليمية وهو ما قد يترك آثاراً يصعب احتواؤها على المدى البعيد.

في المحصلة، وبين سرديات مضللة ترويها ابو ظبي وتوازنات معقدة، يبقى الدور الإماراتي في المنطقة أحد أكثر الملفات إثارة للجدل ليس فقط بسبب حجمه، لكن بسبب طبيعته وتأثيره المباشر على مسارات إشعال الحرائق في البلدان ومع استمرار الأزمات يظل

السؤال مفتوحاً :

هل ستؤثر حرب أميركا وأسرائيل في إعادة نظر أبوظبي لسياساتها الخارجية وبالتالي تموضعها ضمن معادلة أكثر توازنا.. أم أنها ماضية في مسارها الدموي الذي سيجعل كلفة النفوذ أعلى من عوائده؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى